يعد كأس دبي العالمي للخيول أبرز حدث رياضي على الإطلاق تحتضنه الإمارات سنوياً، لما يحمل من بُعد دولي وارتباطات رياضية واقتصادية وسياحية واجتماعية، إضافة إلى جوائزه الأكبرعلى صعيد السباقات والبالغة 35 مليون دولار موزعة على الأشواط التسعة، منها 12 مليون دولار للشوط الرئيس.
واحتفل السباق الأرقى والأكثر إثارة ومتابعة على مستوى عالم رياضة الفروسية في 27 مارس/ آذار الماضي بيوبيله الفضي، ليكمل عامه ال 25 كما بدأ في 1996 بالزخم والنجاحات منقطعة النظير نفسها على الصعُد كافة.
فكرة كأس دبي العالمي ابتكرها صاحب السموً الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وهدفت إلى جعل دبي ملتقى لنخبة خيول العالم على الأرضيتين الرملية والعشبية.
وأقيم الحدث على مدار 14 نسخة في مضمار ند الشبا الذي شيد عام 1986، قبل أن ينتقل في 2010 إلى مضمار «ميدان» التحفة المعمارية والموصوف بأنه أجمل وأكبر وأفخم منشأة رياضية متكاملة لسباقات الخيل على مستوى الكرة الأرضية.
واختصر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مكانة كأس دبي العالمي بقصيدة نشرها بمناسبة نسخة 2019، قال فيها:
فهوَ عيدٌ يعودُ في كُلِّ عامٍ
يلتقي فيهِ منَ إليها أشاحوا
كاسُها العالميُّ كأسٌ فريدٌ
عرفَتهُ الدُّنيا وفيهِ النَّجاحُ
وبالفعل عرفت الدنيا السباق الذي أصبح حدثاً سنوياً يقام في آخر أسبوع من مارس/آذار، وروّج للإمارات، ودبي خصوصاً، ولتوجهما المكان الفريد الذي يجذب أقوى خيول العالم.
بدأت منافسات كأس دبي العالمي في مضمار ند الشبا، الذي ينظم فيه سباق ترابي يبلغ طوله 2200 متر ومسار أعشاب يساري بالمسافة نفسها، وكان يتسع لحوالي 30 ألف متفرج، وبعد ذلك بدأ التفكير في مكان أكبر وأكثر شمولية يتسع للتطور الذي طرأ على السباق عاماً بعد آخر، لذلك كان مضمار «ميدان» هو ذلك المكان.
أراد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من تشييد «ميدان» أن يكون مختلفاً عن غيره، وألا يكون لدبي فقط، بل لكل العالم، لذلك امتلك المضمار الحضاري خصائص فريدة. ويصل إجمالي المساحة المبنية إلى 3.3 مليون قدم مربعة، وبلغت كلفته 2.7 مليار دولار (نحو 10 مليارات درهم).
افتتح «ميدان» عام 2010، واحتضن النسخة الخامسة عشرة من السباق، وذهل العالم بخصائصه المتعددة، ففيه أطول خط مستقيم في ميدان السباق بطول 6.1 كيلومتر، ومدرجات أساسية بسعة 60 ألف مقعد يمكن زيادتها إلى 82 ألفاً، ويضم فندقاً عملاقاً من فئة 5 نجوم يشمل 285 جناحاً وغرفة تطل على المضمار، ومتحفاً للخيول وقاعات للمعارض وملاعب للجولف والتنس وغيرها.
وتجسد مساحة الفندق والمضمار بحد ذاتها أيقونة معمارية تؤكد فرادته عالمياً باحتضانها أكبر مبنى متصل على وجه الأرض بطول يبلغ أكثر من 1.5 ميل، ومن بين أسراره أن الفندق الكبير الخاص ب «ميدان» فيه مطابخ داخلية وثلاجات تقدم الطعام لأكثر من 20 ألف شخص في يوم الحدث.
أما وصف المظهر العمراني للمضمار بالتحفة، فلا يجافي الحقيقة، فشكل سطحه المبتكر ذو التصميم الهلالي أعطى المظهر العام إطلالة فريدة، خصوصاً السطح، إذ تبلغ مساحته 161 ألف قدم مربعة، أي ما يعادل 27 ملعب تنس، وتبرز فرادته عبر ألواح الطاقة الشمسية المثبتة أعلاه والبالغة 4840 لوحاً تنتج 750 كيلوواط.
ويتيح التصميم المعماري الفريد مواقف كثيرة لجمهور السباقات، منها مواقف «الفالكون» التي أخذت في تصميمها شكل الصقر المجنح الذي يمثل التصميم العام لمضمار ومجمع «ميدان».
بداية النجاح
عندما انطلق كأس دبي العالمي لأول مرة عام 1996،كان السؤال الأساسي: هل ينجح في خطف البريق من سباقات تاريخية تكبره بسنوات؟
الجواب لم يتأخر بعدما حققت النسخة الأولى نجاحاً منقطع النظير، وثبتت رؤية صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لكون دبي ذات موقع استراتيجي في الخليج العربي قادر على جذب الخيول من آسيا وأمريكا وأستراليا وأوروبا.
جذبت النسخة الأولى الجواد «سيجار» المملوك للملياردير آلان بولسون، وهو أفضل خيل على مر العصور في أمريكا، وكانت مجرد مشاركته صك نجاح، وبعد فوزه باللقب أعطى الحدث الإماراتي بعداً إعلامياً لايقدر بثمن، وقال مالكه: «الفوز بالنسبة لي يعني أنني مالك أفضل حصان على وجه الكرة الأرضية»، في حين كتبت إحدى الصحف الأمريكية: قام «سيجار» بدوره على أكمل وجه ونجح في تسويق الإمارة الخليجية في الأوساط العالمية وجعلها تستحق لقب «الأرض الجديدة للسباقات».
وكان الحدث في النسخة الثانية عام 1997 هو هطول الأمطار الغزيرة على أرضية مضمار ند الشبا ليمتلئ بالوحول، وتحول هذا الحدث الطارئ إلى قصة إصرار وتحدٍّ بقيت إحدى أجمل قصص هذه النسخة.
الخيول الأمريكية
أصبح الحدث مستضيفاً دائماً للخيول الأمريكية التي ليس من السهل إقناع ملاكها بالترحال بها عبر المحيط، لكن بريق كأس دبي العالمي أصبح عنصر جذب لها ، وكانت مشاركة «سيجار» وفوزه العامل الذي شجع بقية الخيول على اقتفاء أثره، وبالفعل أرسل المدرب الشهير بوب بافيرت مهره القوي «سيلفر شارم» وفاز بنسخة 1998 التي صنف فيها كأس دبي العالمي بدرجة «فئة أولى».
ومنذ ذلك الوقت بدأت المنافسة بين الخيول الأمريكية والإماراتية التي تبادلت التتويج، حتى جاء الدور على «دبي ميلينيوم» الفائز بنسخة 2000 ووصفه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأنه أفضل جواد اقتناه على الإطلاق. ورغم أن «دبي ميلينيوم» انطلق من خانة بعيدة إلا أنه سرعان ما تمركز في مقدمة الخيول على الجانب الداخلي للسياج ، واستمر في تقدمه وعندما وصل إلى خط النهاية كان يبعد عن أقرب منافسيه بفارق ستة أطوال، وفي ذلك اليوم تمكن من تحقيق زمن قياسي قدره 1:59:50 دقيقة، وظل صامداً حتى يومنا هذا.
ومن الخيول التي تركت بصمة الجواد الإماراتي «مون بلد» الذي أعاد مجد «سنجسبيل» بفوزه الباهر بنسخة 2003 الذي حققه بفارق 5 أطوال عن وصيفه الأمريكي «هارلانز هوليداي».
والجواد الإماراتي «ثندر سنو» هو الوحيد الذي حصد اللقب مرتين 2018 و2019.