أ.د.حميد مجول النعيمي
نجد في القرآن الكريم إعجازاً حقيقياً يتعلق بمواقع النجوم وأثرها في التوازن (الميزان) الكوني، إذ يقسم الله سبحانه وتعالى بمواقع النجوم وليس بها نفسها، ولمعرفة ذلك نقرأ ما يأتي في الآيتين الكريمتين:«فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ» الواقعة 75، 76
مواقع النجوم هي الأماكن التي تمر بها في جريها (حركتها) خلال ثنايا المجرات في الكون وهي محتفظة بعلاقاتها الفيزيائية المحددة بغيرها من الأجرام السماوية في المجرة الواحدة، وبسرعات جريها المختلفة ودورانها في فلكها، وبالأبعاد الفاصلة بينها، وبقوى الجاذبية الرابطة بينها. والمسافات بين النجوم مذهلة للغاية لضخامة أبعادها، فالمسافة بين نجمين ثنائيين متقاربين عادةً تكون أكبر من أقطارهما. وحركات النجوم عديدة، وكل ذلك منوط بقوى الجاذبية، وهي قوة لا تبصر (لاترى)، تحكم الكتل الهائلة للنجوم، والمسافات الشاسعة التي تفصل بينها، والحركات المتعددة التي تتحركها من دوران حول محاورها وجري في مداراتها ( أفلاكها ) المتعددة، وغير ذلك من العوامل التي نعلم منها ولا نعلم.
إن القَسم القرآني العظيم الخاص بمواقع النجوم يشير إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى إحدى حقائق الكون المبهرة، التي مؤداها أنه نظراً إلى الأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عن أرضنا، فإن الإنسان على هذه الأرض لا يرى النجوم أبداً، ولكنه يرى مواقع مرت بها ثم غادرتها. وفوق ذلك أن هذه المواقع كلها نسبية، وليست مطلقة، لأن الضوء كأي صورة من صور المادة والطاقة لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية (لتأثره بقوى جذب الأجرام السماوية الكبيرة )، وعين الإنسان لا تبصر إلا في خطوط مستقيمة. وعليه فإن الناظر إلى النجم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقطة انحنى ضوؤه إليها، فيرى موقعاً وهمياً للنجم غير الذي انبثق منه ضوؤه، فنظراً إلى انحناء الضوء في صفحة السماء، فإن النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية. ليس هذا فقط، بل إن الدراسات الفيزيائية الفلكية الحديثة قد أثبتت أن نجوماً قديمة قد تلاشت منذ أزمنة بعيدة، والضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مر بها ما يزال يصلنا متلألئاً في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى اليوم الراهن. ومن هنا كان هذا القسم القرآني بمواقع النجوم، وليس بها، على عظم قدر النجوم التي كشف العلم أنها أفران كونية عجيبة يخلق الله تعالى لنا فيها كل صور المادة والطاقة التي ينبني منها هذا الكون المدرك. ثم إن عدد ما أحصاه علماء الفيزياء الفلكية من النجوم في الجزء المرئي من السماء الدنيا إلى يومنا هذا تعدى مليارات تريليون نجم (النجم كتلة ملتهبة من الغاز، وهو يختلف عن الكواكب في كونه يشع من الضوء الذي يولده بنفسه، مثل الشمس «سِرَاجًا وَهَّاجًا»؛ لأنه فرن رهيب، إذ تتولد طاقته الحرارية من التفاعل النووي الاندماجي في باطنه لذرات الهيدروجين المولدة غاز الهليوم تحت ضغط ودرجة حرارة بالغة الارتفاع (نحو عشرات الملايين درجة كلفنية) لذلك لا ينفجر أسوة بالقنبلة الهيدروجينية.
أقسم القرآن الكريم قبل أكثر من 1442 عاماً هجرياً بمواقع النجوم ليؤكد أهميتها في التوازن الكوني «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ» الرحمن 7، وأن الإنسان لا يمكن له رؤية النجوم من فوق الأرض، وكل ما يمكن أن يراه مواقع مرت بها النجوم، ويأتي العلم في نهاية القرن العشرين مؤكداً كل ذلك.
ومن المؤكد أن هناك نجوماً بعيدة جداً ما زال ضوؤها لم يصلنا إلى اليوم، أو وسائلنا التكنولوجية غير قادرة على رصدها، وسيأتي اليوم الذي يصلنا فيه ضوء هذه النجوم من موقعها السابق حسب بعده عنا، فالله سبحانه وتعالى يُعلم الإنسان أنه سيأتي يوم يدرك فيه الحقيقة الكونية في مثل هذه الموضوعات المتعلقة بخلقه وقدرته ومنها مواقع النجوم.
وماذا عن الأشعة والقوى الكونية المرئية وغير المرئية؟
لنقرأ ما يأتي: قال الله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ» الحاقة 38،39.
يوجد في الكون أشياء نبصرها إما عن طريق وصول ضوئها إلينا مباشرةً أو عن طريق عكسها للضوء الساقط عليها علينا، وأشياء لا نبصرها إلى الآن وربما نفعل مستقبلاً، وتبقى أشياء لا يمكن إبصارها من البشر لأن الآية نصت على أن هناك ما لا نبصره. الكون فلكياً جزءان: الجزء الصغير، وهو المرئي والذي يعادل 5% من الجزء الكبير وهو الكون الحقيقي، كون منظور (مرئي)، وكون غير منظور(غير مرئي)، فالأول كل ما نراه اليوم من الأشياء والأجرام السماوية والأرضية سواء كان بالعين المجردة أم بالوسائل الفلكية والفضائية التكنولوجية المتعددة، فكل ما على سطح الأرض وما تحتها وفي أعماق محيطاتها وباقي غلافها الجوي وفي سحبها وكل ما يمكن رؤيته بالعين أو بالأجهزة من الكون المرئي المنظور. أما الكون غير المنظور فهو بالتأكيد أوسع وأكبر بكثير من المنظور ويعادل 95% من الكون الحقيقي.
الكون المرئي مثلاً يتكون من المواد والأشياء المرئية ومختلف الأجرام السماوية المرئية التي نستطيع أن نراها. وتشير الدراسات الفيزيائية الفلكية إلى أنَّ 5% من الكون الحقيقي هي المواد المرئية مثل الحشود المجرية والمجرات والنجوم والكواكب والغازات والأتربة التي نراها ونحصيها. و23% من الكون الحقيقي مادة مظلمة لم يكشف العلم النقاب عن محتواها للآن، و72% من الكون الحقيقي هي الطاقة المظلمة التي تُعَد طاقة سالبة ( أي تملك ضغطاً سالباً وفق النسبية العامة، و تُعَد قوة جذب طاردة) تساعد على توسع الكون «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» الذاريات 47.
وعندما نتكلم عن الكون المرئي كما مرَّ آنفاً نحن نتحدث عن السماء الدنيا، أما السماوات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فلا يعلم محتواها إلا الله سبحانه وتعالى.
مدير جامعة الشارقة
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك