تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.
والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.
أهم مفاهيم الوسطية الإسلامية، في نظر د.سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بكلية البنات في جامعة الأزهر، عدم التفريط وعدم الإفراط، فلا تجد إلى التشدد سبيلاً ولا إلى التسيب طريقاً.
أما الحادث الآن والذي يحتاج إلى تغيير، كما ترى، فهو حالة التشدد الزائد عند الجماعات التي تنتسب إلى الإسلام وتضع قيوداً، وبعضها على المرأة، لتصبح المعركة بين فريقين: أحدهما متشدد والآخر متسيب يضيعان الوسطية في حربهما، كما أدى التشدد في الخطاب الديني إلى إنتاج فكر لم يكتف بالفهم المغلق للآيات والأحاديث، بل وصل إلى التطرف الفكري.
تقول د.سعاد صالح: اعتمد أهل الجهل على الفهم الخاطئ للنصوص، وهناك تفسيرات مغلوطة أدت بهم إلى عدم خروج المرأة من بيتها وأن تظل فيه بوصفه مكان ولايتها الخاصة، ورد على هذه الفئة دعاة التحرر المنافي للدين، وطعنوا في الإسلام بأنه لم يعط المرأة حقها واعتبروها غير كفء للرجل، ولابد من تحريرها من هذه النظرة بأن تعطل أحكام الإسلام الخاصة بها عموماً، ولو لجأ هؤلاء أو هؤلاء إلى الفهم الصحيح للنصوص لوجدوا فيها إنصافاً لم يعطه أحد للمرأة.
وتؤكد أنه لما كان الأصل في الدين هو المساواة بين الرجل والمرأة، حقوقاً وواجبات، بمعنى أن التكليف بالأوامر الدينية لا يفرق بين ذكر وأنثى، إلا في بعض مواضع ولأسباب فطرية، مثل عدم قبول صلاة المرأة في أيام الحيض أو إفطارها والقضاء بسبب النفاس، وهذا لا يخرج التكليف عن أصله وهو المساواة في الحقوق والواجبات. ومن الآيات التي تدل على المساواة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) الآية 1- سورة النساء، ثم جاء أهل الضلالات ليفسروا بعض الآيات والأحاديث النبوية بالخروج عن مسارها الطبيعي، فكمموا المرأة وحصروا دورها فيما اعتبروه الشكل اللائق للأنثى، واستأثروا بمهام هي في الأصل جائزة لكل إنسان تتوافر فيه شروطها لتصبح للرجال فقط.
وتشير إلى أن الجماعات المتطرفة تتاجر بالمفاهيم والمصطلحات الدينية وتنظر للمرأة على أنها وعاء لتفريغ الشهوة، وأن الحياة الزوجية تستقيم بأمر الرجل لزوجته بالجماع، وهو ما لا تستقيم به الحياة. وتوضح أن الجماع في الزواج حالة من الرغبة المتبادلة بين الرجل والمرأة، ولا يتأتى بالأمر، بل بمفهوم المودة والرحمة والسكينة، فالله، سبحانه وتعالى، يقول في القرآن الكريم: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الآية 21- سورة الروم.
تحرير
تؤكد د. سعاد صالح أن الشريعة الإسلامية حررت المرأة من أشياء كثيرة، وجعلت لها ذمة مالية مستقلة، وإننا لذلك نحتاج إلى خطاب ديني يصحح المفاهيم المغلوطة التي تصدرها الجماعات المتطرفة فيما يخص المرأة، وأن يتم ذلك بطريقة علمية المنهج إنسانية النزعة عالمية التوجه، والعمل على محو الأمية الدينية، وأن تقوم وسائل الإعلام بدورها في التوعية، وتكون طريقاً لتعريف المرأة بحقها والرجل بحقها عليه، وأن تفرد وسائل الإعلام مساحة للمرأة لتقوم بدورها الأساسي والفعال والحيوي في دعوة النساء وتعريفهن ما لهن وما عليهن.
وتطالب وسائل الإعلام بأن تكون منابر لدعوة الناس للدين بلغتهم ومفاهيمهم وطرق عيشتهم، بجانب العمل على تصحيح صورة الإسلام لدى العالم الغربي والتي لوثتها يد التطرف والإرهاب، لأن الجماعات المتطرفة نقلت انطباعاً لغير المسلمين بأن الإسلام دين التطرف والإرهاب، رغم أن مبادئ ديننا تحمل قيم التسامح والعدل والرحمة والمساواة والتعايش السلمي وقبول الآخر المخالف.
فهم خاطئ لأحاديث صحيحة
ترى د. سعاد صالح أن الضلالات المتعلقة بالمرأة أصبحت من المسلّمات لدى البعض، وظهرت المفاهيم المأخوذة عن فهم خاطئ لأحاديث صحيحة، ومنها بالحديث الذي طالما ذكر للتقليل من شأن النساء ووصفهن بأنهن أقل أهلية من الرجل، وهو حديث «ناقصات عقل ودين».
وتقول: الحديث ورد في الصحيحين ولفظه «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». واقتصر أهل الضلالات على ذكر «ناقصات عقل ودين» دون التعمق في فهم الحديث ومناسبته، وهو ما جرى مجرى العادة عند العوام فى نظرتهم للنساء.
وبالنظر في الحديث الشريف من حيث مناسبته والمخاطبين به والصياغة، وفق د. سعاد صالح، تتبين دلالات مختلفة تدل على معالم شخصية المرأة بنظرة أوسع وأهم من المفاهيم ضيقة الأفق، فمن ناحية المناسبة قبل النص من خلال عظة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، للنساء يوم عيد، فهل نتوقع من صاحب الخلق العظيم أن يقلل من شأن المرأة أو يحط من كرامة النساء أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة ؟
وتضيف: يؤخذ من المفهوم العام أن ما أوجده الله في المرأة من فترة الحيض والنفاس والتي تسقط عنها الصلاة فيها، من أشكال نقصان الدين، فالمرأة تعفى من أشياء لا يعفى منها الرجال، ومنها الصلاة في فترات شهرية، والصيام عدة أيام في الشهر، وبذلك فإن مطلوبات المرأة الدينية أقل .