حذرت العديد من التقارير والأبحاث من ارتفاع معدل الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وأكدت أن هذين الأمرين صارا خطراً متنامياً على صحة العديد من الناس.

وأشارت دراسة حديثة إلى أن الوحدة والعزلة أصبحا من عوامل الخطر القاتلة كالسمنة والتدخين؛ بل إنهما باتا يشكلان عبئاً على كاهل الحكومات.

وصف أحد استطلاعات الرأي التي أجريت بخصوص هذه الحالة بأنه وباء صامت، وبحسب نتائج الاستطلاع الذي شارك فيه 1100 رجل، فإن أكثر من 10% منهم يشعرون بالوحدة يومياً.

أرجع المشاركون في الاستطلاع ذلك إلى الظروف التي تتعلق بالابتعاد عن الأصدقاء والأهل، وكذا الانفصال والبطالة، وأخيراً وفاة أحد أفراد العائلة.

يمكن أن تشكل هذه الحالة خطراً على من يعانيها، إضافة إلى المشاكل الصحية الجسدية والنفسية، فإن خطر الوفاة المبكرة يزيد لديه.

شيئان مختلفان

تشكل كذلك العزلة الاجتماعية والوحدة مصدراً للضغط النفسي والتوتر، وبالتالي تؤثر في جهاز المناعة بشكل كبير.

تعرف الأبحاث العلمية العزلة الاجتماعية والوحدة بأنهما شيئان مختلفان، ففي حين أن الأولى تشير إلى البعد عن الآخرين بالشكل المادي، فإن الثانية تمثل شعوراً أنه ليس هناك من يشارك الاهتمام ويتفهم المرء، وهو الأمر الذي يمكن اختباره حتى ولو كان الشخص داخل غرفة مزدحمة.

يمكن أن يمر الشخص بالعزلة الاجتماعية عندما يبتعد عن التفاعل مع الآخرين؛ بسبب شعوره بالاكتئاب، أو بسبب قضائه لأوقات طويلة وحيداً.

يصاب بهذه الحالة كذلك بسبب معاناة القلق أو الخوف من التفاعل والتواصل الاجتماعي، أو عندما لا تتوافر لديه علاقات اجتماعية وحتى لو وجدت فإنها سطحية.

عوامل عديدة

تلعب العديد من العوامل دوراً في اختبار مشاعر الوحدة والعزلة الاجتماعية، ولعل من أبرزها الاستخدام السيئ للتكنولوجيا، فكثير من الشباب يكتفي بالتعبير عن مشاعره باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية، وبالتالي يفتقد التواصل الحقيقي.

يميل الكثيرون لقضاء أغلب الوقت في استخدام حاسبه الشخصي أو التليفون المحمول، وهو ما يعني أنهم يوجدون بأجسادهم فقط.

يمكن أن يكون اختيار الشخص للوحدة والعزلة أحياناً برغبته وبكامل حريته؛ ذلك بسبب غياب التفاهم مع الآخرين، فربما اختار الأب عدم الحديث في البيت، أو الابتعاد عن زملاء العمل، ومن الممكن أن يكون سبب الوحدة مفروضاً؛ بسبب سفر الأبناء أو عدم الزواج.

الرجال أكثر

تعد وسائل الإعلام أحد العوامل التي تساعد على العزلة الاجتماعية، وهو ما أشارت إليه العديد من الأبحاث، وبخاصة على صغار السن.

أشارت نتائج هذه الدراسات والتي خضع لها مجموعة من المبحوثين - تراوحت أعمارهم بين 20 وحتى 32 عاماً - إلى أن تأثير وسائل الإعلام كان سلبياً؛ حيث أصيبوا بالعزلة.

يمكن أن تكون سلبيات وسائل الإعلام أكثر من إيجابياتها؛ وذلك بحسب الدراسات الآنفة، عندما يعتمد المرء عليها بصورة كبيرة ومتكررة، وذلك لأنها تحل محل الاتصال بين الأشخاص أو محل النقاشات والحوارات الفعلية.

يعد الجنس أحد العوامل التي تؤدي إلى العزلة الاجتماعية، فالرجال بصفة عامة أكثر ميلاً للعزلة من النساء، وإن كان النساء يصبن بالعزلة في مكان الدراسة أو العمل إذا كن قلة.

تساهم أيضاً مسئوليات الأمومة في تفضيل المرأة العزلة والابتعاد عن التواصل الاجتماعي، لأن هذه المسؤوليات التي تتحملها في تربية الأبناء يصاحبها إرهاق، ومن الممكن أن يزيد الأمر سوءاً خاصة لو كانت المرأة عاملة.

للسن دور

يلعب السن دوراً في الإصابة بالعزلة والوحدة، ولا يقتصر الأمر على المسنين؛ بل إن الطفل ربما شعر بالعزلة، إذا لم يلق اهتماماً من أبويه، وربما كانت العزلة بسبب ابتعاد أفراد الأسرة عن بعضهم؛ بسبب مشاغل الحياة، أو أن الشخص لا يجد من يفهمه.

تزيد فرصة العزلة الاجتماعية عند دخول الشخص مرحلة عمرية جديدة، ويلاحظ هذا الأمر بكثرة في المراهقين بسبب التغييرات النفسية والفسيولوجية، وكذلك في بداية مرحلة الشباب، مع التفكير في حياة عملية جديدة وبناء حياة زوجية.

يمكن كذلك أن يشعر الرجال بالعزلة والوحدة عند الدخول في مرحلة منتصف العمر، والتي تكون في عمر 45 عاماً، إلا أن هذا الشعور ما يلبث أن يهدأ ويعود مجدداً عندما يصل المرء لسن المعاش.

يسيطر الشعور بالوحدة والعزلة مع التقدم في العمر، ويزيد من هذا الإحساس وفاة أحد الشريكين، أو مع وجود صعوبات في الحركة؛ بسبب العمر والأمراض التي يعانيها كبار السن؛ لذلك فإن هذه الحالة يعانيها عدد كبير من الأشخاص فوق ال65، وبالذات لو كانوا يحيون بمفردهم.

10 سجائر يومياً

يعد الإنسان بطبيعته اجتماعياً، يحتاج إلى التفاعل مع الآخرين من أجل أن يعيش بشكل طبيعي، وبالتالي فإن العزلة التامة تتسبب بآثار كارثية له.

تؤثر الوحدة والعزلة الاجتماعية في صحة الشخص الجسدية والنفسية، وعلى سبيل المثال فإن العزلة يعادل تأثيرها على الجسم تأثير تدخين أكثر من 10 سجائر في اليوم وفق بعض الدراسات.

تشمل هذه الآثار كذلك ارتفاع معدلات هرمون الضغط والإصابة بالالتهابات وأمراض القلب وأمراض الشرايين التاجية.

الوفاة المبكرة

يزيد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة كالسكري، وكذا الإصابة بالعجز، ومن الممكن أن يزيد خطر الوفاة المبكرة بسبب الوحدة.

يعزو بعض الباحثين زيادة خطر الوفاة المبكرة بسبب الوحدة إلى ميل المرء في هذه الحال إلى عادات صحية خاطئة، كإهمال رعاية حالته الصحية أو الإكثار من التدخين، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية.

لاحظت بعض الدراسات أن هناك علاقة بين العزلة الاجتماعية والالتهاب الجسدي، وبخاصة في الذكور أكثر من الإناث.

أمراض نفسية

يؤدي كذلك الشعور بالوحدة إلى أن تتغير الطريقة التي يستجيب بها الجسم للتوتر، فمن الممكن أن تتعزز الاستجابات الالتهابية لدى من يعانون الوحدة، بسبب هذا النوع من الضغوط النفسية.

يوجد كذلك ارتباط بين المشكلة النفسية والعقلية والعزلة، ولعل في المقدمة منها الإصابة بالقلق وقلة تقدير الذات انتهاء بالاكتئاب والعته، وربما أدت إلى إصابته بالهلاوس والأرق واضطراب ما بعد الصدمة.

تتراجع مناعة الجسم وقدرته على مواجهة أنواع العدوى المختلفة، وبخاصة لدى كبار السن؛ بل إن هناك بعض التقارير أشارت إلى أن ضعف الروابط الاجتماعية يساوي في الخطر ضعف خطر الإصابة بالسمنة.

أشارت أيضاً إلى زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والخرف بنحو 3 أضعاف ممن لا يعانون الوحدة، كما أن الشعور بالخمول يزيد لديهم 3 مرات، وهو الأمر الذي ربما كان سبباً في ارتفاع معدل الإصابة بالسكري وأمراض القلب، بما يرواح بين 7% إلى 14%.

طريقتان للعلاج

تحتم بعض الظروف الالتزام بالعزلة الاجتماعية، كما في حالة انتشار الأوبئة، ولأن الشخص يشعر بأنها إجبارية فربما ساهم هذا في شعوره بالقلق والضغط.

يتوافر سبيلان لعلاج الوحدة والعزلة الاجتماعية، ومن الممكن أن يكون لأي سبيل منهما دوره الفعّال في تخطي هذه الحالة، وذلك بالنسبة لمن يشعرون بالقلق المفرط للحد المرضي.

يعد السبيل الأول العلاج الجماعي أو علاج المجموعات، والسبيل الثاني العلاج الفردي أو العلاج وجهاً لوجه، إما من خلال زائرين متطوعين أو جهاز حاسب آلي.

رفع المهارات

يهدف العلاج الجماعي إلى رفع المهارات الاجتماعية، من خلال برامج تعليمية عن الصداقة واستراتيجية تنمية التصرف الاجتماعي.

يزيد كذلك من إمكانية التفاعل عبر توصيل الوجبات للمنازل، وبواسطة الألعاب والأنشطة التفاعلية باستخدام شبكة الإنترنت.

يرى الأطباء أن العلاج الجماعي يسهم في تبادل التجارب بين الأشخاص، وبالتالي إيجاد موضوعات ذات اهتمام مشترك.

يمكن كذلك لمن يعانون هذه الحالة أن يعثروا على رفقاء لهم نفس المشاعر، وهو ما يكسبهم ثقة بالذات وأنه ليس وحيداً.

يساعد أيضاً الإرشاد والدعم الذي يقدم في هذه المجموعات على أن يكتسب المنتسبون لها مهارات اجتماعية، تساعدهم على الاندماج من جديد في الحياة.

نصائح

ينصح الأطباء والأخصائيون للتغلب على الوحدة أو العزلة الاجتماعية بشغل النفس بالهوايات التي تزيد من إيجابية الشخص وتغير نظرته للحياة.

تعد أفضل الأوقات تلك التي يقضيها الشخص مع أفراد عائلته، وبالنسبة لمن يفتقدون هذا الجو فإن البديل يكمن في مساعدة الآخرين، وهو ما يجعل المرء يشعر بأن له قيمة كما يدعم ثقته بنفسه.

يجب تجنب الاستماع للأخبار المحبطة، التي تزيد من اكتئاب الفرد، وكذلك الابتعاد عن النظرة التشاؤمية للحياة، مع عدم الإفراط في التفكير في المستقبل.

يمكن للمصاب في عزلته أن يهتم بنفسه، فيحصل على قسط وافر من النوم، ويمارس بعض الرياضة، ويتناول طعاماً صحياً، ولذلك فعليه وضع روتين يومي يضع فيه كل هذه البنود.

أرقام مخيفة

قدرت إحصاءات عالمية أن فئة المسنين الأكبر من 60 عاماً يتعرض أكثر من ثلثيهم لاختبار مشاعر الوحدة والعزلة، وهو الأمر الذي يؤثر سلباً في صحتهم.

كشف تقرير سابق أن أكثر الفئات عرضة للوحدة عند الكبر هم غير المتزوجين أو المطلقين، وأيضاً الأقليات المختلفة بسبب التباين الثقافي والدين، إضافة إلى حاجز اللغة، وأيضاً أصحاب الدخل المنخفض.

تعد الإعاقة من المؤشرات الدالة على الوحدة، ووفقاً لدراسة سابقة أيضاً فإن أكثر من 20% من ذوي الإعاقة يشعرون بالوحدة معظم أوقات اليوم، وتزيد هذه النسبة إلى أكثر من 35% في الأصغر سناً.

أظهر استطلاع للرأي شارك فيه أكثر من ألفي شخص أن الأمر ليس قاصراً على كبار السن؛ حيث عبر نحو 9% من المشاركين الأقل من 25 سنة عن شعورهم بالوحدة، في الوقت الذي كانت النسبة نحو 5% في المرحلة العمرية الأكبر من 30 عاماً.