مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.
في عام 453ه ولد العالم الأديب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الدؤلي الكناني المعروف ب «الطغرائي»، والملقب ب «مؤيد الدين الأصبهاني» أو الأصفهاني، في أسرة عربية وهو حفيد أبي الأسود الدؤلي بإقليم أصبهان، وكان هذا الإقليم يزخر بالعلماء والأدباء إبان عصور الحضارة الإسلامية، وعرف ب «المنشئ»، لأنه تولى ديوان الإنشاء في إحدى فترات الدولة السلجوقية بالموصل، وهو الطغرائي نسبة إلي إجازته كتابة الطغراء، وهي ما يكتب في أعلى المناشير (المكاتيب) فوق البسملة بالقلم الجلي كاسم الملك وألقابه.
درس في صباه الأدب واللغة والعلوم الشرعية والحكمية، ولما اشتد عوده اتجه إلى العلوم الطبيعية، خاصة الكيمياء وما يتعلق بها، وقرأ العديد من المؤلفات في هذا المجال، سواء لعلماء مسلمين أو لعلماء غيرهم، فمن المسلمين قرأ لجابر بن حيان، وأبي بكر الرازي، وخالد بن يزيد بن معاوية، ومن غيرهم من الفلاسفة والعلماء: سقراط، أفلاطون، أجاديمون، فيثاغورث، هرقل، فوفوريوس، مآريه، زوسيموس، بليناس.
كان الطغرائي معتزاً بنفسه إلى أقصى درجة، طموحاً جداً، ليس فقط من أجل تحقيق إنجازات علمية ومكانة أدبية، بل كذلك من أجل تولي مناصب سياسية، حتى إنه تمكن من تولي الطغرائية والإنشاء والاستيفاء، والوزارة أيضاً. يقول د. فاضل أحمد الطائي في كتابه «أعلام العرب في الكيمياء»: إن الطغرائي كان طموحاً يحب أن يكون وزيراً، ولم يفلح في الوصول إلى الوزارة إلا بعد وفاة السلطان محمد السلجوقي، وشغل منصب الوزارة في عهد السلطان مسعود بن محمل السلجوقي في ولاية الموصل.
كان الطغرائي بارعاً في أربعة ميادين هي: الشعر والكتابة والكيمياء والسياسة. ومما يؤسف له أن الجانب الأدبي في حياته هو فقط المشهور، ولكن الجانب العلمي (الكيميائي) في حياته تم تجاهله، وإنما تعمد المستشرقون ومؤرخو العلم الغربيون من هذا التحقيق غرضين، يوجزهما د. علي عبدالله الدفاع في كتابه «إسهام علماء العرب والمسلمين في الكيمياء»، الأول الاستفادة بهذا التراث العلمي العربي والإسلامي، ونسبة النظريات والاختراعات العربية والإسلامية إلى أنفسهم أو إلى علماء غربيين، والثاني بث روح التباطؤ والكسل في أنفسنا بأن نكتفي بما قدموه لنا عن أجدادنا، وهذا أمر خطير، فعل المستشرقون هذا مع الطغرائي، ومع كثير غيره من العلماء العرب.
كان الطغرائي شاعراً مرموقاً، ونظم لاميته التي دعيت فيما بعد بلامية العجم، في بغداد عام 505 ه، في ذم زمانه وتذمره مما كان يكابده، وترجمت هذه اللامية إلى اللغة اليونانية، ونشرها جوليوس، وربما كانت هذه هي القصيدة العربية الأولى التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية، وطبعت مرات عدة وفي لغات مختلفة في أوروبا، كما أن هناك ديواناً للطغرائي طبع في استانبول، وهو يضم قصائد أخرى بجانب اللامية.
أما حياته العلمية، فيقال إنه اكتفى في حقل الكيمياء بالنواحي النظرية، ولم يمارس التجارب العملية، وجمع بحوث ومؤلفات من سبقوه، وساعدته في ذلك كثرة أسفاره وتنقلاته في مناطق ينابيع هذه العلوم، سوريانية، ويونانية، ومصرية قديمة، وحاول الرد على شك ابن سينا في تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة (الذهب على وجه الخصوص)، وكان رده جدلياً نظرياً لا يستند إلى أساس علمي، إلا أن علي أحمد الشحات في كتابه «مكانة العلم والعلماء في الإسلام» يذكر أن الطغرائي من كبار علماء العرب والمسلمين الذين لهم اليد الطولى في الابتكارات الكيميائية.
اهتم مؤيد الدين الطغرائي بالنظريات الكيميائية كثيرة الاستعمال في عصره، وهي في حقيقة الأمر تمثل جزءاً من النظريات الحديثة، والتي تدرس الآن في المقررات الدراسية في المدارس والجامعات، وله من المؤلفات: تراكيب الأنوار في الإكسير، أسرار الحكمة، جامع الأسرار في الكيمياء، سر الحكمة في شرح كتاب الرحمة، الجوهر النضير في صناعة الإكسير، مفتاح الرحمة ومصابيح الحكمة في الكيمياء، حقائق الاستشهاد، الرد على ابن سينا في الكيمياء، كتاب «ذات الفوائد»، رسالة مارية بنت سابه الملكي القبطي في الكيمياء، الأسرار في صحة صناعة الكيمياء، رسالة في الطبيعة، الرسالة الخاتمة، المقاطيع في الصنعة، وصية الطغرائي إلى تدابير جابر، قصيدة طويلة باللغة الفارسية، وشرحها بالعربية، في الكيمياء.