كتب: يوسف أبولوز
تُعتبر منظومة صناعة الكتاب والنشر ومعارض الكتب في الإمارات «دورة شمسية» للمعرفة، إن جازت العبارة، وتوليها الدولة أهمية خاصة منذ نشأتها في العام 1971 وحتى اليوم من خلال مؤسسات ومشاريع ومبادرات دورية جعلت من الثقافة، وأساسها الكتاب، قطاعاً حيوياً، استثمارياً، بل ربحياً، بخاصة في السنوات الأخيرة عندما حققت معارض الكتب في الدولة مؤشرات عالية في المبيعات والاستقطاب النشري الدولي الذي تطلّب بالضرورة توسعات سنوية في المساحات، وبالتالي، تزايد عدد روّاد هذه التظاهرات الكتبيّة المنتظمة في الدولة.
إن معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي انطلقت دورته الأولى في 19 يناير/كانون الثاني عام 1982، أصبح عبر 39 دورة مؤسسة قائمة بذاتها ويُنظم بإشراف هيئة الشارقة التي تأسست عام 2007. والمعرض بكل مراحله عمود أساسي من أعمدة مشروع الشارقة الثقافي الذي انطلق مع سبعينات القرن العشرين برعاية مادية ومعنوية وروحية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
وولدت من فضاءات المعرض مبادرات عديدة، وأصبح «ضمير» هذه المبادرات، مثل جمعية الناشرين الإماراتيين التي تأسست في العام 2009، وحظيت بدعم ورعاية ورئاسة الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، المثقفة والناشطة الثقافية الإماراتية والعربية والعالمية والتي استحقت بجدارة رئاسة الاتحاد الدولي للناشرين في العام 2020.
عند الحديث عن مبادرات المعرض لا بد من الإشارة إلى «ثقافة بلا حدود»، و«مكتبة لكل بيت» في الشارقة.
رافد حيوي
يشكل معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي انطلقت دورته الأولى في العام 1981، وجاءت دورته الثلاثون في العام 2020 رافداً حيوياً في عالمية ومحلية الثقافة الإماراتية، ومن رحاب المعرض انطلقت جائزة الشيخ زايد للكتاب أرفع جائزة ثقافية عربية وأكثرها نبلاً، وهي تحمل اسم قائد حكيم، مؤسس، ورجل حكم وثقافة إنسانية متسامحة.
في إطار المعرض ظهرت أيضاً مشاريع ومبادرات عديدة رفعت من شأن صناعة الكتاب في الإمارات، ومنها، مثلاً، مشروع «كلمة» للترجمة المبادرة الثقافية العظمى التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عام 2007 وتتبع دائرة الثقافة والسياحة في الإمارة.
مئات الكتب منذ العام 2007، وحتى اليوم صدرت عن هذا المشروع التنويري العظيم في حقول فكرية وأدبية وجمالية وفنية وأسطورية ولغوية، وجمع على اسمه حضارات الشرق والغرب في الإمارات بأيدي مترجمين عرب مهنيين في اللغة وفي النقل.
الكتاب في الإمارات يصدر أيضاً ضمن روافد نشرية محترمة في الدولة مثل أكاديمية الشعر في أبوظبي، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وجمعية المسرحيين، ووزارة الثقافة، والمؤسسات والدوائر الثقافية.
تكريس
يتدفق رافد نشري إماراتي آخر هو مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم التي انطلقت في مايو 2007 بمبادرة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. ومن برامج المؤسسة: «اكتب»، و«ترجم»، و«ترجمان»، و«دبي الدولي للكتابة»، و«موسوعة الشعر العربي»، وغيرها من مبادرات نجم عنها عناوين نشرية عديدة أسهمت في تكريس ثقافة القراءة في الدولة. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن الإمارات هي الدولة الأولى على صعيد أكثر من مبادرة تشجع على القراءة، بل تجاوزت حيّز التشجيع إلى وصف القراءة بالمشروع التنموي الإنساني المدعوم من الدولة ومؤسساتها الثقافية والإعلامية، فقد خصصت الإمارات 2016 عاماً للقراءة، وكل مارس /آذار شهراً للقراءة، ثم جاءت المبادرة الأكبر وهي «عشرية القراءة» من 2016 إلى 2026.
دور فاعل
لا بد من الربط بين دورة الكتاب ومساراته في الإمارات وبين دورة القراءة ومسارات ثقافتها الإنسانية العالمية، بل بدأت مؤخراً تظهر انعكاسات هذا التوجه إلى القراءة في الإمارات من خلال معطيات الأدب والكتابة عموماً بين جيل جديد من الكتاب والكاتبات يتوجه إلى الرواية بشكل خاص، لا بل إن عدداً من الكتاب والكاتبات في الإمارات أسسوا دور نشر محلية حققت أرباحاً مقنعة لهم، ولها حضور في معارض الكتب المحلية والعربية، وأثبتت جدارتها، وتلقى دعماً من مدينة الشارقة للنشر التي تأسست في العام 2017. وللمدينة دور فاعل في صناعة الكتاب العربي، وتوفر للناشر العربي الكثير من الامتيازات وفرص الربح والاستثمار.
إذا فحصنا سريعاً خريطة الكتاب والنشر والترجمة في الإمارات إلى جانب معارض الكتب، ولا ننسى معرضاً مهماً مثل مهرجان الكتاب المستعمل، و«بيج باد وولف»، ومعرض الكتاب الذي يأتي في إطار «مهرجان طيران الإمارات»، فنحن أمام حالة نشرية محلية كبيرة بكل معنى الكلمة، فضلاً عن وجود دور نشر أجنبية موجودة في الإمارات، وتطبع بلغات عالمية، وتتوجه إلى قارئ مقيم هو خلاصة مئتي جنسية تعيش وتعمل في الإمارات.
هذه حالة ثقافية، كوزموبوليتية أيضاً، تحقق ما يسمى حوار الحضارات وحوار الثقافات، حقيقةً وليس نظرياً، فهو الحوار، وليس التصادم الذي يصنعه الكتاب، ومعارض الكتب في الإمارات.
هذا التلاقي الثقافي من الشرق ومن الغرب نجد تمثّلاته في «مهرجان طيران الإمارات» الذي يجمع ضيوفاً هم أدباء وإعلاميون وكتّاب وفنانون من جهات العالم كلها، ويوفر في الوقت نفسه فرصة لقاء الكتّاب الإماراتيين بهذا الطيف العالمي من أدباء ومثقفي العالم.
قانون
نشير في ختام هذه الإحاطة البانورامية بخريطة طريق الكتاب والقراءة إلى قانون الملكية الفكرية رقم 7 لسنة 2002. والمهم هنا، أن هناك مصنّفات مكتوبة يحميها قانون الملكية الفكرية في الإمارات، فالكاتب الإماراتي والعربي المقيم، أو أي كاتب آخر، مكفول من حيث الحقوق بالقانون الإماراتي. وإلى جانب ذلك، تحمي الإمارات وتدعم الصناعات الإبداعية، وتمثل هذا الدعم في أنبل صوره حينما تعّرضت هذه الصناعات للخسائر والتجميد والتوقف جرّاء «كورونا»، فكانت الإمارات أول دولة في العالم تسارع إلى حماية هذه الصناعات، المكفولة قبل ذلك بالقانون.