أ.د.حميد مجول النعيمي
لدينا كلمات عديدة في المواقيت، تبدأ بالثانية والدقيقة والساعة وتنتهي بالسنة، إلا أن كلمة الزمن أوالزمان ( اسم لقليل الوقتِ وكثيره وجمعه أزمان وأزمنة و أزمن، وعَاملهُ مزامنة من الزمن كما يقال مشاهرة من الشهر)، كما في معجم «مختار الصحاح».
كلمة الزمن أو الزمان لم ترد في القرآن الكريم، لكن مفردات الزمن من يوم و شهر و سنة.. الخ قد ذكرها مع شيء من التكرار في بعضها. كذلك هي الحال بالنسبة لكلمة الكون، فهي الأخرى غير واردة في القرآن الكريم، لكن مرادفاتها مثل السماء والسماوات مذكورة في أكثر من سورة وأكثر من آية بشكل يفسر الدقة والحساب والمحتوى، فضلاً عن ذكرها بشكل متلازم مثل «السماوات والأرض» و «الشمس والقمر» و «الليل والنهار» و «الشمس والقمر و النجوم»، وهكذا نجد الدقة المتناهية المنسقة.
نتحدث في هذا المقال عن المواقيت بالعبارات التي أمر بها الله، وأن اتباع هذه المواقيت، بعد اتساع عالم المسلمين لم يخل من مشاكل في وحدة التطبيق بين بلدانهم على نحو عام. أما الأسباب فموضوعية ولا تدعو إلى القلق في كثير من الأحيان، غير أن تعرف المسلمين بأسباب «الاختلاف والتباين» لا يخلو هو الآخر من فائدة أو ليس فيه ضرر على الأقل.
ولقد ارتأينا التوارد مع آيات القرآن الذكر الحكيم كلما تدعو الحاجة والفائدة معاً، من هنا وجب الشروع بقراءة قوله تعالى في سورة التوبة (1) «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ». أما الأشهر الحرم فهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم على التوالي ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. وأما حسم عدد الأشهر وأسمائها فقد بدأ و ما زال مع خلق السموات والأرض وتحديداً «يوم خلق السموات و الأرض»، سواء على المجاز لأهمية العدد والأسماء أم على الحقيقة في اللوح المحفوظ أو بهما معاً كما نرى. أما مدلول (يوم) في الجملة، فقد يأخذ مفهوماً غير مفهوم اليوم في الوقت الحاضر، لأن البدء في خلق السموات يفترض حالة كونية معينة هي موضع نقاش ونظريات كثيرة في الفلك و الفيزياء الفلكية. ولما كان اليوم هنا يعد أيضاً كناية عن الزمن أو الزمان، فإن من المفيد أن نشير إلى ما قاله ستيفن هوكنج عام 1990 في «موجز في تاريخ الزمن» من الانفجار العظيم إلى الثقوب السوداء: «أوحت مشاهدة «هابل» بوجود لحظة تدعى الانفجار الكبير؛ حيث كان الكون متناهياً في الصغر (من المادة المكدسة في حالة التفرد)، وذا كثافة لا متناهية وفي مثل هذه الشروط تتعطل قوانين العلم جميعاً، فلو كان ثمة أحداث قبل ذلك الزمن، فهي لن تؤثر فيما يحدث حالياً.
ويمكن أن نقول إن الزمان بدأ مع الانفجار الكبير، بمعنى أنه لا يمكن تحديد الزمان الذي سبقه، ولا بد من التأكيد على أن هذه البداية في الزمان مختلفة كثيراً عن تلك البدايات المعتبرة سابقاً، ففي كون ثابت، يجب أن تكون بداية الزمان في أي وقت في الماضي. ومن و جهة أخرى، فإن الكون في توسع (لا بل تسارع في التوسع)، فقد تكون هناك أسباب طبيعية لوجود بداية، كما يمكن التصور بأن الله سبحانه خلق الكون في لحظة الانفجار الكبير أو حتى من بعده؛ بحيث يبدو وكأنه كان هناك انفجار هائل لامثيل له، ولكن سيكون بلا معنى أن نفترض أن الكون خلق قبل الانفجار الكبير، والكون الموسع لا ينفي وجود الخالق، إلا أنه يحدد متى قام الخالق بعمله. و من البديهي أن معنى «متى» هو تفسير حدثي وليس آنياً بالدقيقة أو الساعة واليوم، لأن يوم خلق السموات والأرض هو يوم خلق الكون المرئي على الأرجح. وعندما نقول «يوم» فإن حدث الخلق يدل عليه وليس الوقت الذي حصل فيه الخلق لأنه لم يكن موجوداً أصلاً على الصورة التي نتعامل بها الآن.
أما الأشهر التي وثقتها الآية الكريمة (1) فإنها ترتبط بالقمر، وأشهر القمر عديدة الأنواع وقال الله تعالى في سورة البقرة 189
(2): «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ»، وفي سورة يس 39
(3): «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم».
ومن مضمون عدد الأشهر في الآية (1) و الأهلة في الآية (2) والمنازل في الآية (3) فإن علم الفلك يقدم المعطيات الآتية لتفسيرها:
1- حركات القمر المدارية والمحورية: يدور القمر حول الأرض على شكل قَطْع ناقص، ويكون هذا المدار غير منتظم بسبب التأثيرات الجاذبية الواقعة عليه من الشمس والأرض بصورة أساسية وكذلك بعض الكواكب السيارة القريبة؛ إذ يكون القمر في مداره عند أقرب نقطة من الأرض على بعد 355200 كم، أي ما يسمى بالحضيض. وبعد أسبوعين تقريباً من حركته على بعد 404800 كم، أو بما يسمى الأوَجّ، فإن مستوى مدار القمر يميل عن مستوى مدار الأرض بزاوية تتغير من:4 درجات و57 دقيقة قوسية إلى 5 درجات و20 دقيقة قوسية، بسبب التأثير الجذبي للشمس والأرض في حركة القمر. لذلك يتقاطع المداران في نقطتين تسميان بالعقدتين الصاعدة والنازلة استناداً إلى حركة القمر شمالاً أو جنوباً نسبة إلى مدار الأرض. أي أن خط العقدتين (الخط الواصل بينهما) لا يبقى ثابتاً؛ بل يتراجع أو يتقهقر ويكمل 360 درجة في تراجعه كل 18.6 سنة (تدعى بدورة الساروس ويعود اكتشافها إلى البابليين قبل الميلاد). ونتيجة لذلك، فإن في كل 9.3 سنة تأخذ كل من هاتين العقدتين موضع الأخرى. من هنا، فإن ميل القمر يتغير أيضاً عن خط الاستواء الأرضي، ومقدار هذا التغير يتراوح بين + 28 درجة و 36 دقيقة قوسية إلى - 28 درجة و 36 دقيقة قوسية. ويعود السبب في ذلك إلى أن القمر يميل عن مدار الأرض بنحو 5 درجات معدلاً، وكذلك مدار الأرض يميل عن خط الاستواء بمقدار 23 درجة و27 دقيقة قوسية، لهذا يتغير ميل القمر من +28 درجة و36 دقيقة قوسية حداً أدنى إلى - 28 درجة و36 دقيقة قوسية حداً أعلى ويكون القمر منخفضاً تارة أخرى في كبد السماء.
•أشهر القمر حسب نوعية دورانه حول الأرض: خمسة، يمكن إجمالها (باليوم والساعة والدقيقة والثانية وأجزائها) مثل: الشهر القمري (الاقتراني). يحدد الشهر القمري بالمدة التي يستغرقها القمر في دورته الكاملة حول الأرض نسبة إلى الشمس، وتقاس هذه المدة من محاق إلى محاق آخر. أي من ولادة الهلال إلى الولادة الثانية، وتكون غير ثابتة بسبب طبيعة مداري القمر والأرض، ثم الشهر النجمي: يحدد بالمدة التي يستغرقها القمر في دورته الكاملة حول الأرض نسبة إلى نجم ثابت (الشمس في حالة القمر التابع للأرض) وهذه المدة 27 يوماً و7 ساعات و43 دقيقة و 11.5 ثانية، ثم الشهر العقدي (التنيني): يحدد بالمدة التي يستغرقها القمر في دورته حول الأرض بالنسبة إلى العقدتين الصاعدة والنازلة ومدته 27 يوماً و5 ساعات و5 دقائق و34 ثانية وعشر الثانية، ثم الشهر المداري: يحدد بالمدة التي يستغرقها في دورته حول الأرض نسبة إلى الاعتدال الربيعي، وتبلغ مدته: 27 يوماً و7ساعات و34 دقيقة و4.74 ثانية أي أقل من الشهر النجمي للقمر ب 6.86 ثانية. وأخيراً الشهر الحضيضي: يحدد بالمدة الزمنية اللازمة ليكمل القمر دورة حول الأرض ابتداء من أقرب نقطة لها والرجوع إلى نفس النقطة (من حضيض إلى حضيض). أو بمعنى آخر هي المدة الزمنية اللازمة لزيادة زاوية الشذوذ المتوسطة للقمر بمقدار 360 درجة ومدته 27 يوماً و13 ساعة و18 دقيقة و 33 ثانية. ونحن، كمسلمين، يهمنا في تحديد بداية الشهور الهجرية هو الشهر القمري الاقتراني.
مدير جامعة الشارقة
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك