أبوظبي: محمد علاء
 «آلة العود جزء أساسي في حياتي وتعني لي الكثير، أعبّر من خلال العزف على أوتاره، بعد أن أصنعه بيدي، عن إحساسي، هناك مشاعر لا يمكن البوح بها، ولكن من خلال العزف نستطيع أن نترجم بعض أحاسيس القلب إلى نغمات جميلة». بهذه الكلمات بدأ ناصر علي عبدالله المرزوقي، الذي احترف صناعة آلة العود الشرقية، وهي مهنة لم يعهدها الإماراتيون، تاركاً بصمة إماراتية واضحة في صناعة الآلة من الألف إلى الياء، وهي الأقدم ضمن الآلات الموسيقية المعروفة المحببة للموسيقيين والجمهور.

يقول المرزوقي: «على مدار شهرين، الزمن المستغرق في صناعة آلة العود، أمضي جزءاً من يومي منهمكاً في اختيار أنواع الأخشاب ذات الجودة العالية التي تلائم صناعة عود معين، ثم أمضي ما تبقى من ساعاته منشغلاً بقص تلك الأخشاب وتفريغها، لإنجاز عود على الطراز الشرقي العربي الكلاسيكي، وهذا الوقت الكبير في الصناعة يمضي في لمح البصر، لأني أفعل شيئاً أحبه وأتقنه. وأسعى إلى ترك بصمة إماراتية في صناعة آلة العود».
وعن شغفه بهذه الصناعة، يشير المرزوقي، وهو من أبوظبي، إلى أنه تعرف إلى الآلة الشرقية التي تندرج ضمن آلات تعرف بما يسمى بآلات التخت الشرقي، ومن بينها القانون والطبلة والدف والناي، عن طريق خاله الذي جلبها لأول مرة في طفولته، وكان يبلغ من العمر حينها 16 عاماً، حيث أتقن العزف على العود، وكان عضواً في الفرقة الموسيقية الوطنية، غير أن والده أيضاً كان يهوى سماع الموسيقى لفنانين أمثال أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وقال لماذا لا نصنع هذه الآلة العريقة التي يمتد عمرها لمئات السنين؟
ويضيف أن الأعواد باختلاف منابتها وأصولها دفعته منذ 5 أعوام وتحديداً في عام 2016 إلى التعرف أكثر إلى تاريخ كل عود شرقي، وتعلم أساليب عدة لإتقان صناعة الأعواد بما يلبي قواعد المهنة بكل حذافيرها، مشيراً إلى أن عملية تصنيع آلة العود تبدأ باختيار نوع خشب الجوز والزان والمابل وزخرفتها على الطرز المختلفة، وبعد ذلك تركيب الأوتار التي تتكون من الحرير والألياف وأمعاء الحيوانات واستخدام المعادن.
ويقول المرزوقي: «إن ترميم الأعواد وصيانتها، يشكلان عالماً آخر، حيث أعشق ترميم الأعواد أكثر من صناعتها، لما تحمله الأعواد القديمة من قيمة تاريخية تعود إلى مئات السنين أحياناً، إضافة إلى كونها قيمة فنية أيضاً، لأن بعضاً من تلك الأعواد توارثها موسيقيون عرب مرموقون».
 ويقتني المرزوقي أعواداً موسيقية تعود صناعتها إلى عام 1880، إضافة إلى أعواد أخرى صنعها أرباب هذه المهنة كصانعي الأعواد عائلة النحّات، والعراقي الراحل محمد فاضل، وغيرهما ممن اشتهروا بهذه المهنة.
ويضيف أنه يشعر بفخر كبير حين يقتني عوداً قديماً ليعيد إليه الروح والأنغام، خصوصاً عندما تكون آلة مضت عليها سنوات طويلة، وكانت بحوزة أحد الموسيقيين الكبار، كالفنانين طلال مداح وعبادي الجوهر ومحمد عبده، مبيناً أنه يملك 25 عوداً من مختلف البلدان.
تحديات 
عن تحديات صناعة آلة العود يقول المرزوقي: يصعب علي إيجاد الأخشاب الخاصة بالصناعة في الإمارات، خصوصاً خشب الجوز واللوز والزان والكرز والتوت، علماً أن استخدام هذه الأنواع يساهم في إطالة عمر العود، ويلعب دوراً مهماً في إصدار النغمات بانسيابية عالية، لذلك ألجأ إلى استيراد هذه الأنواع من الخارج أو استخدام أي بديل متوافر. ويضيف: رغم الخبرة التي اكتسبتها من تلقاء نفسي ومن مشاهدتي للكثير من الحرفيين في هذا المجال، فإن عيني كانت تراقب تفاصيل صناعة العود بكل دقة، مهتماً بالتفاصيل كافة، وكنت ألجأ أحياناً لأهل الصنعة إن اقتضت الحاجة ذلك، كما طورت نفسي من خلال تعلم مقامات الموسيقى من الكتب الموسيقية المتوافرة على مواقع الإنترنت. 
ويوضح أن هناك مسميات كثيرة منتشرة في الوطن العربي للأعواد، ولكن عن نفسي قمت بتصميم العود على «النسبة الذهبية للإبداع الهندسي»، التي صمم عليها «الكمان» و«الجيتار» وغيرهما من الآلات الموسيقية، ولذلك يخرج العود بالنسبة نفسها، وهو يحتاج لإنجازه بإتقان وبدقة عالية يدوياً ما يقارب 60 يوماً من العمل المتواصل. 
ويؤكد المرزوقي أن العود أحد أوجه الحضارة والثقافة الموسيقية العربية، فهو يرمز للتراث العربي، وبالتالي لا بد من الحفاظ عليه، باعتباره إرثاً حضارياً عتيقاً، كما أنه الآلة الموسيقية العربية التي تمثلنا أمام كل الحضارات المختلفة. 
ويتمنى المرزوقي أن تتحول هذه الصناعة إلى حرفة يدوية بين الشباب الإماراتي حتى يبدع فيها، فالمبدع هو من يبتكر ويضع بصمته على عمل يفتخر به.