عادي

ابن البيطار.. العالم الرحالة

00:05 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد ‏‏ضياء‏ ‏الدين‏ ‏أبو محمد‏ ‏عبدالله‏ ‏أحمد‏ ‏المالقي‏ ‏النباتي‏ ‏الأندلسي، بمدينة ‏مالقة‏ الأندلسية‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1197‏ميلادية‏، وتوفي‏ ‏في‏ ‏دمشق‏ ‏بسوريا‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1249‏م. وينسب إلى أسرة مشهورة في مالقة تعرف باسم البيطار، كانت تشتغل بالبيطرة، وكان والده ‏‏بيطريا‏ً ‏ماهراً، ولقب بالنباتي لأنه كان عالم عصره في علوم النبات.
أخذ‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏علوم‏ ‏النبات‏ ‏في‏ ‏مطلع‏ ‏شبابه‏ ‏في‏ ‏إشبيلية‏ ‏على يد ‏أبي‏ ‏العباس‏ ‏بن‏ ‏الرومية، وعبدالله‏ ‏بن‏ ‏صالح‏، و‏أبي‏ ‏الحجاج‏. ‏وكان‏ ‏ابن‏ ‏الرومية‏ ‏صاحب‏ ‏شهرة‏ ‏عظيمة‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏النبات، ‏فورث‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏هذه‏ ‏السمعة‏ ‏الجيدة‏ ‏عن‏ ‏أستاذه‏‏.‏ ودفعه‏ ‏اهتمامه‏ ‏الشديد‏ ‏بالنباتات‏ ‏والأعشاب‏ ‏إلى‏ ‏مغادرة‏ ‏مالقة‏ ‏مسقط‏ ‏رأسه‏، ‏وهو‏ ‏ابن‏ ‏الثانية‏ ‏والعشرين، ‏وقيامه‏ ‏برحلات‏ ‏علمية‏ ‏طاف‏ ‏فيها‏ ‏بلاد‏ ‏شمال‏ ‏إفريقيا‏ ‏ومصر‏ ‏والشام‏ ‏وتركيا‏ ‏واليونان‏ ‏وإيطاليا‏، جمع‏ ‏فيها‏ ‏النباتات، ‏ودرسها‏.‏
كان‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏عالما‏ً ‏متواضعاً، ‏لا‏ ‏هم‏ّ ‏له‏ ‏سوى‏ ‏البحث‏ ‏والتقصي‏ ‏والاشتغال‏ ‏بالجديد‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏النباتات‏ ‏والعقاقير، وبحث‏ ‏في‏ ‏شتى‏ ‏النباتات‏ ‏العربية‏ ‏والأوروبية،‏ ‏على‏ ‏السواء‏، ‏وتميز‏ بعقلية‏ ‏علمية‏ ‏فذة، ‏تؤمن‏ ‏بالتجربة، ‏وتعتني‏ ‏بالمشاهدة‏ ‏والملاحظة، ‏قادرة‏ ‏على ‏الاستنباط‏ ‏والاستنتاج، ‏وتتصف‏ ‏بالصدق‏ ‏والدقة‏ ‏والأمانة، ‏والنظر‏ ‏المتعمق‏ ‏في‏ ‏آثار‏ ‏السابقين‏ ‏والفحص‏ ‏النزيه‏ ‏لإنتاج‏ ‏العلماء‏ ‏والباحثين‏. ‏وما‏ ‏يذكر‏ ‏أنه‏ ‏صحح‏ ‏ما‏ ‏رآه‏ ‏خطأ‏ ‏في‏ ‏كتب‏: ‏ديسقوريدس، ‏جالينوس، ‏أبقراط، ‏والغافقي، ‏وغيرهم، ‏وعلق‏ ‏عليها‏ وشرح‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏مستحضرات‏ ‏هؤلاء‏، ‏وغيرهم‏.‏
ويذهب‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏مؤرخي‏ ‏العلوم‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏كان‏ ‏ذائع‏ ‏الصيت‏ ‏في‏ ‏القرون‏ ‏الوسطى، ‏حتى‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ أهم عالم‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏النبات‏ ‏ومجال‏ ‏العقاقير، ‏وأشهر صيدلاني‏ ‏منذ‏ ‏عصر‏ ‏ديسقوريدس،‏ ‏حتى‏ ‏العصر‏ ‏الحديث، ‏وحتى‏ ‏فيما‏ ‏بعده‏ ‏إلى‏ ‏القرن‏ ‏الثاني‏ ‏عشر‏ ‏الميلادي‏.
جمع‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏آلاف‏ ‏العيّنات‏ ‏النباتية‏، ‏ودرسها،‏ ‏وتقصّى‏ ‏آثارها‏ ‏العلاجية، ‏وسجّل‏ ‏خصائصها‏ ‏والمواضع‏ ‏التي‏ ‏تنبت‏ ‏فيها‏، ‏وأسماءها‏ ‏في‏ ‏البلاد‏ ‏المختلفة، ‏وسلالاتها‏، ‏وامتد‏ ‏نشاطه‏ ‏ليشمل‏ ‏العقاقير‏ ‏ذات‏ ‏الأصل‏ ‏الحيواني، ‏والعقاقير‏ ‏المعدنية‏ ‏المستخرجة‏ ‏من‏ ‏الخامات‏ ‏الطبيعية‏، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏رائداً‏ ‏للعلاج‏ ‏الضوئي‏ ‏الكيميائي ‏الذي‏ ‏استعمل‏ ‏فيه‏ ‏بذور‏ ‏الخلة‏ ‏مع‏ ‏ضوء‏ ‏الشمس‏ ‏لعلاج‏ ‏البهاق.‏
ووضع‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏عدداً‏ ‏من‏ ‏المؤلفات، ‏أشهرها‏ ‏الموسوعة‏ ‏النباتية‏ ‏المسماة‏ «الجامع‏ ‏لمفردات‏ ‏الأدوية‏ ‏والأغذية‏»، ‏‏فهو‏ ‏قاموس‏ ‏موسوعي‏ ‏شامل، ‏يتألف‏ ‏من‏ ‏أربعة‏ ‏مجلدات، ‏تناول‏ ‏فيه‏ 1400 ‏دواء‏ ‏من‏ ‏أصول‏ ‏حيوانية‏ ‏ونباتية‏ ‏ومعدنية، ‏فيها‏ 500 ‏دواء‏ ‏جديد‏ ‏لم‏ ‏يعرف‏‏ ‏قَبله، ‏رتبها‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏على‏ ‏حروف‏ ‏المعجم، ‏ويعرف‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏اختصاراً‏ ‏باسم‏ ‏مفردات‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏، ‏أو‏ ‏كتاب‏ ‏الجامع‏ ‏في‏ ‏الأدوية‏ ‏المفردة‏. ‏و‏ترجم‏ بعد‏ ‏القرون‏ ‏الوسطي‏ ‏إلى‏ ‏الفرنسية‏ ‏والألمانية،‏ ‏ودُرّس‏ ‏في الجامعات‏ ‏الأوروبية‏. ‏وبذل‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏في‏ ‏وضع‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏الضخم‏ ‏مجهودا‏ً ‏مضنياً، ‏وقطع‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏المسافات‏ ‏الطويلة‏ ‏والرحلات‏ ‏الشاقة‏ ‏في‏ ‏بلاد‏ ‏العرب‏ ‏وآسيا‏ ‏الصغرى‏ ‏وبلاد‏ ‏البلقان، ‏اليونان، ‏ألبانيا، ‏وبلغاريا‏ ‏والبرتغال‏ ‏وإسبانيا‏ ‏وفرنسا‏. ‏ورجع‏ ‏فيه‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ 150 ‏مرجعاً، ‏منها‏ 40 ‏مرجع‏اً ‏يونانياً، ‏وممن‏ ‏رجع‏ ‏إليهم‏: ‏جالينوس، ‏ديسقوريدس، ‏ابن‏ ‏جلجل، ‏الغافقي، ‏الزهراوي، ‏الإدريسي، ‏ابن‏ ‏جزلة، الرازي، ‏الدينوري، ‏ابن‏ ‏سمجون، ‏ثابت‏ ‏بن‏ ‏قرة، ‏ابن‏ ‏الوحشية، ‏ابن‏ ‏العوام‏ ‏الإشبيلي، ‏وغيرهم‏.
‏ ولم‏ ‏ينقل‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏في‏ ‏كتابه ‏‏كلام‏ ‏من‏ ‏سبقوه‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏تمحيصه‏ ‏وتدقيقه‏ ‏واختباره،‏ ‏وإضافة‏ ‏الجديد‏ ‏إليه‏، ‏وكان‏ ‏يصف‏ ‏لكل‏ ‏عقار‏ ‏من‏ ‏الألف‏ ‏والأربعمئة‏ ‏فوائده‏ ‏الطبية، ‏ومتى‏ ‏يستعمل‏ ‏كدواء، ‏ومتى‏ ‏يستعمل‏ ‏كغذاء‏. ‏ويقول‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ ‏إنه‏ وضع‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏الموسوعي‏ ‏تنفيذاً‏ ‏لطلب‏ ‏الملك‏ ‏الصالح‏ ‏نجم‏ ‏الدين‏ ‏أيوب‏ ‏في‏ ‏مصر‏. ‏ويمثل‏ الكتاب‏ ‏ركنا‏ً ‏أساسيا‏ً ‏من‏ ‏أركان‏ ‏علوم‏ ‏الصيدلة‏ ‏الحديثة، ‏ويعده‏ ‏المستشرق‏ رام‏ ‏لاندو ‏أهم‏ ‏كتاب‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏النبات‏ ‏خلال‏ ‏الفترة‏ ‏من‏ ‏ديسقوريدس‏ ‏إلى‏ ‏القرن‏ ‏السادس‏ ‏عشر‏ ‏الميلادي‏.‏ و‏ذاع‏ ‏صيت‏ الكتاب‏ ‏وعلا‏ ‏شأنه، ‏ونشر‏ ‏في‏ ‏القاهرة‏ ‏عام‏ 1875‏م‏، ‏وتكررت‏ ‏طباعته‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏.‏
أما‏ ‏كتاب‏ ‏ابن‏ ‏البيطار‏ «‏المغني‏ ‏في‏ ‏الأدوية‏ ‏المفردة‏» ‏فيتألف‏ ‏من‏ 20 ‏فصلاً، ‏ورتبت‏ ‏مواده‏ ‏بحسب‏ ‏استخداماتها‏ ‏في‏ ‏علاج‏ ‏الأمراض‏. ‏ويتناول‏ ‏أفكاراً‏ ‏مختصرة‏ ‏من‏ ‏الأدوية‏ ‏الضرورية‏ ‏والأكثر‏ ‏انتشارا‏ً ‏في‏ ‏عصره‏، كما وضع‏ ‏ابن‏ ‏البيطار، ‏وهو‏ ‏في‏ ‏مصر، ‏كتاباً‏ ‏عنوانه‏ «‏المغرب‏»، ‏ضمنه‏ 2330 ‏فصلاً‏ ‏عن‏ ‏الأطعمة‏ ‏والأدوية‏ ‏النباتية، ‏وعثر‏ ‏فيه‏ ‏على‏ 300 ‏وصف‏ ‏لأدوية‏ ‏كانت‏ ‏مجهولة‏ ‏عند‏ ‏الذين‏ ‏تقدموه‏.
أما‏ ‏كتاب‏ «الأقرباذين‏» ‏فيحتوي‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الأدوية، ‏ووصف‏ ‏العديد‏ ‏من‏ ‏النباتات‏ ‏والحيوانات‏ ‏والأحجار‏ ‏والمعادن‏ ‏التي‏ ‏لها‏ ‏خواص‏ ‏طبية.
 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"