عادي

الأزمة السياسية في تونس.. حاضر معقد ومستقبل مجهول

23:53 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. محمد فراج أبو النور*

الأزمة السياسية والدستورية التي تعصف بتونس تزداد احتداماً كل يوم، وتتحول إلى صراع مكشوف على السلطة والصلاحيات الدستورية بين حركة «النهضة» الإخوانية، بزعامة رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشيشي من جهة، ورئيس الجمهورية قيس سعيّد من جهة أخرى.
يزيد من تعقيد وخطورة الوضع أن الأزمة السياسية المتصاعدة باستمرار، تجري على خلفية أزمة اقتصادية – اجتماعية متفاقمة، وحركة إضرابات واحتجاجات واسعة لا تكاد تنقطع.. ثم جاء التفشي الواسع لوباء «كورونا» ليزيد الضغوط على الأوضاع الاقتصادية المنهارة أصلاً، حيث بلغ التراجع في الناتج المحلي الإجمالي نحو (9%) عام 2020، ومن المتوقع ألا يقل عن (6%) إضافية العام الجاري. وقدّر الصندوق الدولي نسبة العجز الحكومي العام الماضي ب(11.5%) من الناتج المحلي الإجمالي، من المتوقع أن ترتفع هذا العام إلى (17.5%)، ما يضعف أكثر من قدرة الحكومة على مواجهة مقتضيات مكافحة الوباء الذي يصيب أكثر من ألف مواطن جديد يومياً، وبلغ عدد الإصابات به نحو (320 ألفاً)، وعدد حالات الوفاء نحو (11.5 ألف)، وهي أرقام كبيرة بالنسبة لشعب يبلغ تعداده أقل من 12 مليوناً.
 ويشير معظم الخبراء إلى أن هذه الأوضاع كلها هي نتيجة منطقية لحكم حركة «النهضة» الذي يتسم بنقص الكفاءة، وعدم الاستقرار، وانتشار الفساد.
 بداية اشتعال الأزمة السياسية
 كان السبب المباشر لاشتعال الأزمة السياسية الحالية هو أن حركة «النهضة» المتزعمة للائتلاف الحكومي، دفعت رئيس الحكومة الموالي لها «هشام المشيشي» لإجراء تغيير حكومي واسع النطاق شمل 11 وزيراً من مجموع أعضاء وزارته البالغ 28، وبعد أربعة أشهر فقط، من تشكيل الحكومة، غير أن الأمر الأهم هو أن أربعة من الوزراء الجدد تحيط بهم شبهات فساد، وأن هذا التغيير تم من دون استشارة رئيس الجمهورية، ما دعاه للإعلان عن أنه ما لم يتم تغيير هؤلاء الأربعة، فإنه لن يدعوهم لأداء اليمين الدستورية، الأمر الذي يمنعهم من استلام مهامهم الحكومية.
 غير أن «النهضة» – ومعها المشيشي – أصرّا على عدم تغيير الوزراء الأربعة المشتبه في فسادهم، ما دفع بها إلى معركة خاسرة أخلاقياً، ومن ثم سياسياً، مع الرئيس بسبب صعوبة الدفاع عن تعيين وزراء تحيط بهم شبهات الفساد.
 وتشير مثلاً إلى إصرار المشيشي – ومن ورائه الغنوشي – على تعيين «هشام الذهبي» وزيراً جديداً للداخلية، بالرغم من أنه متهم بالتواطؤ مع «اتحاد علماء المسلمين» برئاسة يوسف القرضاوي، ومنح تراخيص لجماعات وهيئات مشبوهة بنشر التطرف والإرهاب، من خلال مركزه كقيادي في وزارة الداخلية.. فضلاً عن اتهامات له بالفساد المالي.
 «النهضة».. والتمكين 
وهنا نصل إلى أن أصل المشكلة والسبب الأعمق للأزمة، يكمن في اعتناق «النهضة» لنظرية «التمكين» التي يعتنقها «الإخوان» في كل مكان، أي محاولة فرض السيطرة الكاملة على السلطة السياسية، ومصادر القوة الاقتصادية، والهيمنة على مفاصل الجهاز الإداري للدولة.. وهذا هو أحد أهم أسباب فشلهم في إدارة الاقتصاد وأجهزة الدولة في تونس لإصرارهم على محاولة فرض «الموالين» لهم، وليس «الأكفاء» في المناصب القيادية، كما أنه أحد أهم أسباب عدم استقرار الحكومات المتعاقبة، وضعف أدائها.
 أما السبب الثاني الأعمق للصراع بين «الإخوان» التونسيين، وبين الرئيس قيس سعيّد والتيارات المدنية في المجتمع، فهو ارتباط «الإخوان» بالتنظيم الدولي لجماعاتهم.. ودعم الوجود العسكري التركي في الغرب الليبي، وهو ما رفضه الرئيس سعيّد بحسم، واتهم «النهضة» بالتآمر على الأمن القومي للبلاد، ودعم المنظمات الإرهابية في المناطق الجبلية من تونس.
 ومعروف أن الرئيس قيس سعيّد قام بزيارة مؤخراً، إلى القاهرة (9- 11 إبريل/ نيسان) قوبل خلالها بحفاوة كبيرة، وتم الاتفاق على تعزيز التعاون بين البلدين الشقيقين في مختلف المجالات. وأعلن سعيّد أثناء الزيارة اتفاقه مع الموقف المصري الداعي إلى خروج القوات التركية والأجنبية عموماً، من ليبيا، وكذلك قوات المرتزقة التي جلبتها أنقرة، وحل الميليشيات الإرهابية، ودعم خريطة الطريق لانتخابات رئاسية وبرلمانية في ليبيا قبل نهاية العام.
 وقد أثارت زيارة الرئيس سعيّد إلى القاهرة وتصريحاته خلالها غضباً عارماً لدى «النهضة»، وحلفائها، وهاجموه بعنف متهمين إياه بخيانة قيم الثورة التونسية، ومُثلها العليا. ومعروف أن «إخوان» تونس يناصبون مصر العداء منذ الإطاحة بحكم «الإخوان» فيها عام 2013. 
 مناورات دستورية
 بعد أن فشلت تظاهرة كبيرة دعا إليها الغنوشي في أواخر فبراير/ شباط الماضي، في حمل الرئيس سعيّد على القبول بأداء الوزراء المشتبه في فسادهم لليمين الدستوري، لجأوا إلى البرلمان في محاولة لتدارك نقص في البنية الدستورية للنظام، بإصدار قانون لتشكيل المحكمة الدستورية، آملين أن تكون حكماً بينهم وبين الرئيس في مسألة تعيين الوزراء الأربعة، لكن الرئيس سعيّد رفض التصديق على مشروع القانون، مستنداً إلى أن الدستور يقضي بأن يوافق عليه (145 نائباً).. بينما بلغ الموافقين المشروع (131 نائباً فقط). فأخذت «النهضة» تلوح بإمكانية السعي لعزل الرئيس، وإقامة نظام برلماني. مع علمها بأنها لا تملك الأصوات اللازمة لذلك في البرلمان، ولا القوة الجماهيرية في الشارع.
 وأخيراً، اشتعلت معركة فقهية جديدة حول صلاحيات الرئيس الدستورية، وهي تشمل صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة (بحكم المادة 77 من الدستور) كما يصر هو، أم تقف عند حدود الجيش؟ وبدأوا يتهمون الرئيس بالانقلاب على الدستور، علماً بأنهم عينوا وزيراً للداخلية مواليا لهم – كما سبق أن ذكرنا – ويحاولون العبث بالمناصب الأمنية، لكن مواقف الرئيس الأخيرة تقطع الطريق عليهم.
 علاقات القوى لا تشير إلى إمكانية نجاح أحد الطرفين في «الانقلاب» على الوضع القائم.. أو التحول نحو «النظام الرئاسي» كما يريد الرئيس سعيّد، أو «النظام البرلماني» الكامل «كما يريد الغنوشي، في المستقبل القريب جداً قبل انتخابات 2023. لكن المؤكد أن المعركة الكبرى حول مستقبل تونس قد بدأت.. ولا يبدو مستقبل «النهضة» مشرقاً.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"