كلوديا سيريا شاعرة رومانية المولد تقيم في أمريكا، يعكس شعرها حقبة الثمانينات الشيوعية في رومانيا، قصائدها تعد جزءاً من الحياة اليومية لتلك الفترة، وقد أصدر الشاعر السوري المقيم في نيوجيرسي أكرم قطريب ترجمة لمختارات شعرية للشاعرة بعنوان: «الليلة أصبح بحيرة وستغرق فيها» عن دار خطوط، هاجرت كلوديا سيريا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1995 ولها خمس مجموعات شعرية.
تقول في إحدى مقابلاتها: «يقرأ الجميع كما لو أن الألم لا يزال قائماً، كما لو أن الوقت ينهار في هذه اللحظات، على الرغم من أن التفاصيل قد تم نسيانها» وكانت عائلتها ضحية موجة من العنف ضد الفلاحين، الذين قاوموا التأميم القسري في رومانيا؛ حيث تم إرسال مئات الآلاف منهم إما إلى السجن وإما إلى معسكرات العمل.
يقول أكرم قطريب: «إن شعرها مملوء بصوت الضحايا، والألم هو طريقتها الوحيدة في تقديم هذه العدالة الرمزية، فالذكريات لا تزال حية، ولا يزال الناجون قادرين على سرد قصصهم، فتجربة الإنسان مليئة بالألم، والتاريخ نفسه مكتوب بالألم، وهو يبدو كما لو أنه مُضمر في الشيفرة الوراثية الخاصة بنا، يتردد داخلنا باعتباره شيئاً كونياً، يتعلق بوجودنا كبشر».
معاناة
تقول كلوديا: «كان على أسرتي أن تعاني السجن السياسي أيام رومانيا الشيوعية، الآن وبعد مرور 30 عاماً على سقوط ذلك الستار الحديدي، لم يتم إنجاز الكثير لتوفير العدالة والتعويضات الأخلاقية للسجناء، في المقابل هنالك حديث أقل عن ضحايا القمع، لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بنسيان ذلك الألم الكبير، إنها طريقتي في تقديم العدالة الرمزية، واستحقاقات ضخمة، لدي أسباب قوية للكتابة عنها، لكنني أكتب أيضاً عن الحب وابنتي والطفولة ومواضيع أكثر أملاً».
أجرى أكرم قطريب حواراً مع كلوديا وسألها: هل يستطيع الشعر تخطي حقول ألغام السياسة ومفرداتها؟ فقالت: لا يستطيع؛ لأن السياسة تتخلل حياتنا اليومية، قد لا نكون على دراية بذلك، لكن السياسة تقبع في الخلفية دائماً، كان جدي وأبي وعمي سجناء سياسيين، أواخر الخمسينات، وقد نشأتُ في أجواء طوابير الانتظار: انتظار رغيف الخبز في الثمانينات.
كانت كلوديا طالبة عندما حدثت الثورة الرومانية عام 1989 ثم هاجرت إلى أمريكا عام 1995 فبناء على إصرار صديق مقرب لها، تقدمت بطلب للحصول على تأشيرة سفر، تبعاً لبرنامج في وزارة الخارجية يُسمى «تأشيرة التنوع» يتم من خلاله منح عدد معين من البطاقات الخضراء للمهاجرين المتقدمين من مختلف بلدان العالم.
سافرت كلوديا إلى نيويورك وحدها، كان عمرها حينذاك 26 عاماً، كانت خائفة، فهي تعيش بمفردها ولأول مرة في نيويورك، لم يكن لديها أصدقاء ولا عائلة، وحصلت على وظيفة مضيفة في أحد المطاعم، بعد أسبوعين من وصولها، كانت تذهب إلى المدرسة ليلاً لتعلم تصميم الجرافيك والإعلانات، حتى أنها اعتادت النوم في المكتبة.
ترى كلوديا أن الشعر لا يمكنه تغيير العالم، لكن باستطاعته تغيير حياة، الشعر مهم؛ لأنه يعبّر عما لا يمكن التعبير عنه في الكلام العادي اليومي، الشعر موجود في كل مكان طوال الوقت، لكننا لسنا على علم بقوته، ونحن لا نتجه إليه إلا حين حدوث شيء دراماتيكي: كارثة، موت، ولادة، أو حب، ننتقل إلى الشعر في تلك اللحظات التي تفشل فيها الكلمات العادية.
تأقلم
تقول كلوديا: أردتُ أن أنتمي لأمريكا، لأتأقلم معها، وفي الوقت نفسه تحدثتُ بلهجة ثانية وكتبتُ عن رومانيا، استغرق الأمر مني بعض الوقت، لأدرك أنه لا يمكنني إخراج رومانيا من داخلي؛ لأنها أنا بشكل من الأشكال، وهي موجودة في أغلب كتاباتي. أما بالنسبة لأبي فهو يظهر بشكل شخصي في القصائد، هو شكل ارتباطي بالتاريخ؛ لذلك أكتب عنه كثيراً، تعكس قصائدي مسافة 5 آلاف ميل بين رومانيا والولايات المتحدة، وفي أحيان أخرى أستخدم صوراً سوريالية، تم التقاطها من الأحلام، وهي تشبه إلى حد كبير الاستعارات، والتحدي أن تقبض عليها وتوثقها في القصائد.