أحمد حلمي سيف النصر
ورد عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء»، أخرجه الترمذي والحاكم، وقال أيضاً: «عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق»؛ من حديث نعيم بن عبد الرحمن.

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتاجرون في البر والبحر؛ ومنهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وهما من العشرة المبشرين بالجنة. وأباح الإسلام التجارة بشروط رئيسية؛ هي: الالتزام بالكسب الحلال؛ ونبذ الحرام؛ والتراضي بين المتعاملين؛ والاعتدال في التجارة، بحيث لا تتسبب في الغفلة عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

وانطلاقاً من هذه المبادئ، وضع الشارع الحكيم الأطر العامة لنشاط الأسواق العامة في المجتمع التي هي مظهر من مظاهر الأنشطة التجارية بصفة عامة.

وحث القرآن على ممارسة التجارة والأنشطة المصاحبة لها، كما يتضح من قوله تعالى: «وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله»، المزمل 20.

والضرب في الأرض هو السير فيها؛ أي الانتقال من مكان إلى مكان أو الحركة من أجل الكسب، والذين يضربون في الأرض؛ هم التجار وقد مدحهم الله عز وجل في الآية الكريمة «وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله»، فذكرهم قبل المجاهدين أو معهم.

ومن بين الشروط التي وضعها الإسلام لتحقيق مشروعية التجارة التعامل فيما أحل الله من سلع وخدمات فقط، والابتعاد عن جميع أنواع التصرفات التي نهى عنها الإسلام؛ كالاحتكار والغش وتطفيف الميزان والكيل بمكيالين.

ويدخل تحت الشرط الثاني ضرورة إتمام المعاملات التجارية من دون تعسف أو ظلم أو إكراه لأحد الطرفين، وكذلك في كافة الأمور الخاصة بالمبادلة قبل إتمامها.

أما بالنسبة للشرط الثالث، ففيه اتجاهات عدة للاعتدال والتوسط في النشاط التجاري، ويحتاج ذلك إلى بيان أن الفرد يسعى لاكتساب ما يكفي حاجاته الضرورية له ولأهل بيته ومن يعول.

والبعض يذهب إلى أن الاعتدال في التجارة لا يتوقف على كسب ما يكفي لإشباع الضرورات؛ بل يتعدى إلى إشباع الحاجات، وربما الكماليات مع الوقوف دون حد الإسراف. البعض الآخر يؤكد أن كل ما يتحقق من كسب للفرد فيه نفع له ولمن يعول وكذلك جماعة المسلمين، ولاشك أن فتح باب التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة الإسلامية؛ يفرض على كل فرد أن يبذل قصارى ما يستطيع من جهد في سبيل الكسب الحلال، فكل ما زاد عن حاجات الفرد ومن يعول فيه خير لجماعة المسلمين.

والاتجاه الأخير مشروط بألا يغطي الوقت الذي يقضيه المسلم في التجارة أو أي نشاط آخر على وقت العبادة أو الوقت الذي ينبغي أن يقضيه في التزود من العلم الضروري النافع أو الوقت الذي يخصصه لزوجه وأولاد أو رعاية والدين كبيرين أو صلة رحم وما ينبغي من واجبات نحو جماعة المسلمين.

ومعنى هذا أن يوازن التاجر بين نشاطه وعمله من أجل الآخرة ونشاطه وسعيه للكسب من التجارة أو من غيرها وواجباته الاجتماعية والدينية.

هذا الاتجاه يعطي المنظور الإسلامي بُعداً مميزاً يفرقه عن منظور الفلاسفة الذين تأثروا بأرسطو في العصور الوسطى، ومنهم من قال: إن التجارة غير طيبة وغير طبيعية؛ لكنها شر لا بد منه في حياة اجتماعية بعيدة عن الكمال، ولا يمكن تبرير التجارة إلا بمبدأ المبادلة المتكافئة، ويجب أن يسعى التاجر إلى كسب ما يكفيه للإبقاء على بيته وجلب النفع لبلده.

وقد شجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اتخاذ سوق جديد في المدينة المنورة؛ عاصمة الدولة الوليدة.

وعندما رأى صلى الله عليه وسلم تعنت اليهود مع التجار المسلمين؛ رغبة في المحافظة على مراكزهم الاحتكارية التي قامت من قبل لعدة أسباب، وقويت في ظل فترة اتسمت بصراعات مستمرة بين الأوس والخزرج؛ أمر بتأسيس السوق، واختار بنفسه المكان في أحد أحياء المدينة وقال في خطبة جامعة: «هذا سوقكم لا خراج عليكم فيه»؛ أي لا ضرائب.

وكان التجار في الأسواق الأخرى يدفعون من الرسوم والخراج فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم هذا العبء عنهم، فتحقق بذلك أول مبادئ السوق الإسلامي؛ وهو حرية دخوله التامة، وحرية التعامل من دون قيد أو شرط أو نفقة مفروضة.
[email protected]