د. أميرة محمد عبدالحليم*
بعد انتظار طويل تمكنت الحكومة الانتقالية في السودان من جذب واحدة من الحركات المسلحة التي لم تندمج في مسار السلام الذي تباشره الحكومة السودانية الجديدة مع الحركات المسلحة لتحقيق التغيير ووقف العدائيات وإحلال السلام في أقاليم السودان، وتنفيذاً لبنود الإعلان الدستوري الذي توافقت عليه القوى السياسية المختلفة عقب الإطاحة بنظام حكم البشير.
بدأت في يوم 27 من مايو 2021 مفاوضات بين الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو والحكومة الانتقالية السودانية تمت خلالها مناقشة مسودة لاتفاق إطاري قدمته الحركة، حيث يعد هذا الاتفاق تتويجاً لجهود بذلتها الحكومة السودانية الانتقالية وعدد من الأطراف، في مقدمتها حكومة جنوب السودان منذ نهاية عام 2020، كما تعد هذه المسودة ترجمة لاتفاق إعلان المبادئ الذي وقعته الحكومة السودانية والحركة الشعبية في جوبا في مارس الماضي، وكان الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، التقى مع عبدالعزيز آدم الحلو في فبراير/ شباط الماضي، بجوبا، في لقاء بحث عملية السلام، والعودة للتفاوض مع الحركة مجدداً.
وقد فتح انضمام الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو لقاطرة السلام، الطريق أمام الكثير من الآمال حول تحقيق التغيير والإصلاح المنشود في السودان بعد الثورة، إلا أنه على الجانب الآخر آثار مزيد من الجدل حول البنود التي شملها.
ضغوط دولية
فمن ناحية، جاء التحرك الجديد للحركة الشعبية في إطار العديد من المتغيرات الجديدة كان من أهمها تجديد مجلس الأمن الدولي في فبراير/ شباط الماضي، ولاية فريقي الخبراء المعني بتوقيع العقوبات الدولية على السودان حتى مارس/ آذار 2022، وعلى الرغم من ترحيب مجلس الأمن باتفاق السلام الذي وقعته الحكومة الانتقالية مع عدد من الحركات المسلحة في جوبا في أكتوبر/ تشرين الثاني 2020، إلا أن قرار المجلس الأخير اعتبر أن الوضع في السودان لا يزال يشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، ما يستدعي أن تظل المسألة قيد نظر مجلس الأمن، كما أكد مسؤولية الحكومة السودانية الأساسية في حماية المدنيين، ولوحت المنظمة الدولية بإمكانية فرض عقوبات دولية على الحركات المسلحة الرافضة توقيع اتفاق السلام مع الحكومة السودانية الانتقالية.
من ناحية أخرى، قدم الاتفاق الأخير بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية، فرصاً لحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور لفك الجمود بينها وبين الحكومة الانتقالية، واللحاق بركب السلام، حيث لم يتبق من الحركات المسلحة التي لم توقع على اتفاقات سلام مع الحكومة السودانية الانتقالية إلا هذه الحركة، فالسلام لن يكتمل إلا بتوقيع كافة الحركات المسلحة. وقد تمكنت الحكومة السودانية من توقيع اتفاق مع عدد من هذه الحركات المسلحة لتقاسم الثروة والسلطة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. إلا أن حركتين هما الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو والتي تسيطر على مناطق واسعة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور ذات النفوذ القوي في دارفور، ظلتا بعيدتين عن التفاوض مع الحكومة السودانية الانتقالية.
إلا أن مسودة الاتفاق الإطاري قد أثارت الكثير من الجدل، خاصة في ما يتعلق بعدد من القضايا، بالإضافة إلى وقف الصراع المسلح بين الطرفين وتمهيد الطريق أمام شراكة تقوم على أساس الاحترام المتبادل، مع وصف الحكومة السودانية الأجواء السائدة في التفاوض مع الحركة الشعبية ب«الإيجابية»، مؤكدة وجود «تفاؤل كبير بين الطرفين».
وجاءت قضايا فصل الدين عن الدولة وما يتبعها من مطالب لإلغاء قوانين الأحوال الشخصية والزكاة، وإقرار حق تقرير المصير لسكان الأقاليم المختلفة ودمج جيش الحركة الشعبية ضمن الجيش السوداني وتسريح بعض قواته لتطرح نقاشاً واسعاً بين العديد من القوى السياسية، فقد ظلت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو بعيدة عن اتفاق السلام مع الحكومة الانتقالية للتأكيد على ضرورة فصل الدين عن الدولة، ورأت الحركة الشعبية أن فصل الدين عن الدولة في السودان يعالج جذور الأزمة السودانية التي قادت البلاد إلى حروب أهلية دامت أكثر من 64 عاماً.
كما أشار إعلان المبادئ إلى «تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية الدين والممارسات الدينية والعبادة لكل الشعب السوداني، بفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة، وألا تفرض الدولة ديناً على أي شخص، ولا تتبنى دينا رسمياً».
كما أن الحركة الشعبية بقيادة الحلو مع دمج جيش الحركة في القوات المسلحة خلال فترة عشرة أعوام نتيجة «للتشوهات التي لحقت بالأخيرة خلال عهد الإخوان». إلا أن «الحكومة السودانية مع دمج قوات الحلو خلال الفترة الانتقالية بين أربعة إلى خمسة أعوام المقبلة». يضاف إلى ذلك أن إقرار حق تقرير المصير للأقاليم المختلفة في السودان سيفتح الطريق أمام إعادة تقسيم السودان.
وعلى الرغم مما أثارته بنود مسودة الاتفاق الإطاري الذي قدمته الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة الحلو من جدل، من المتوقع أن تعلو الآمال بإمكانية تحقيق التغيير والاستقرار المنشود في السودان الجديد.
* خبيرة الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات