عادي

الكرجي.. نابغة الرياضيات والجيولوجيا

كتابه «البديع في الحساب» ملهم علماء النهضة الأوروبية
23:36 مساء
قراءة 4 دقائق

مع بداية القرن الخامس الميلادي، كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التي اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك يلوح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل، لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، إذ كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي.

وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل.. ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

الصورة

‏من هؤلاء العلماء أبوبكر‏ ‏محمد‏ ‏بن‏ ‏الحسن‏ ‏الكرخي‏ ‏الحاسب، الذي ولد ‏ ‏ ‏‏بالكرخ‏ ‏في بغداد عام‏ 361‏ه‏ 970‏م، ‏وتوفي‏ ‏بها‏ 427‏ه‏ 1036‏م‏. ‏

شحت المصادر العربية بمعلومات عن السيرة الذاتية للكرخي، حتى أنها اختلفت حول اسمه، فمنها أطلق عليه الكرجي ومنها الكرخي ويرجح الكرجي، درس‏ ‏علوم‏ ‏الرياضيات‏ ‏والهندسة‏ ‏والجيولوجيا، ‏وأمضى‏ ‏شطراً‏ ‏كبيرا‏ً ‏من‏ ‏حياته‏ ‏في‏ ‏تحصيل‏ ‏العلوم‏ ‏وفي‏ ‏حفر‏ ‏الآبار‏.‏

أبدع أبو بكر في علمي الرياضيات والهندسة، وأضاف إليهما إضافات قيمة، تعمق في دراستها وترجمتها إلى اللغات الأوروبية كبار المؤرخين، وتبنت نشرها أرقى المؤسسات العلمية. وأسس الكرجي مدرسة جبرية جديدة ومستقلة ترتكز على حسبنة الجبر، أي تطبيق العمليات الحسابية على الجبر، ما أدى إلى بلورة جبر كثيرات الحدود.

واستفاد من تلك التوجهات من أتوا بعد الكرجي مباشرة. وتميز أيضاً في مجال علم الهندسة، بوضعه كتاباً نادراً وفريداً في طرحه العلمي الدقيق والموضوعي في مجال إنباط المياه الخفية، إذ عالج الموضوع من جوانبه الهندسية والرياضية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والإدارية، ومن زاويتيه: النظرية والتطبيقية.

ووضع العديد من‏ المؤلفات،‏ لكن، للأسف، ‏ضاع‏ ‏معظمها. ومن مؤلفاته الرياضية كتاب: «البديع في الحساب» ويستعرض فيه موضوعات جبرية وحسابية منها: تحديدات متنوعة للأعداد، والنسبة والتناسب وعالج لأول مرة في التاريخ استخراج الجذر التربيعي لكثير الحدود الجبرية بمجهول واحد.

وفي كتابه «الفخري في الجبر والمقابلة» ركز على الموضوعات المتعلقة بهذا العلم، وافتتحه بتعريف أجناس المجهولات أو مراتب المجهولات، ثم عمم مفهوم القوة الجبرية، وشرح عمليات الضرب والقسمة والنسبة وإيجاد الجذر التربيعي والجمع والطرح على المقادير الجبرية، ثم عدد القواعد والنظريات اللازمة للحساب الجبري. وانتقلت بعض مسائل هذا الكتاب إلى مؤلفات رياضيي عصر النهضة الأوروبية مثل فيبوناتشي، ويعد مؤرخ الرياضيات سميث هذا الكتاب من أهم الكتب الجبرية العربية، ودرسه المستشرق الألماني فرانتس ڤوپكه، ونشره في باريس سنة 1853، وحققه أحمد سليم سعيدان ونشره في عمان بالأردن عام 1983.

ويتضمن «الكافي في الحساب» العمليات الرياضية الأساسية التي تطبق على الحساب والجبر والهندسة، إذ عالج الضرب والقسمة والكسور والنسبة، واستخراج الجذور، ومسائل المعاملات، ومساحات السطوح وحجم الأجسام، والجبر: أصوله ومسائله، وموضوع وزن الأرض،أي قياسات ميول الأراضي- وغيرها من الموضوعات العامة التي تفيد العمال والموظفين، ويُعد هذا الكتاب من الكتب المهمة التي تبسط العلم، وترجمه هوخهايم إلى الألمانية، ونشره بألمانيا بين سنتي 1878و 1880، ودرسه سعيدان ونشر الدراسة ضمن كتاب (تاريخ علم الحساب العربي)، وصدر في عمان بالأردن عام 1971. ودرس الكتاب أيضاً سامي شلهوب وحققه وشرحه ونشره معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب سنة 1986، وللكتاب شرحان: أحدهما وضعه الحسين بن أحمد بن علي الشقّاق البغدادي (ت511ه/1117م)، وثانيهما وضعه محمد بن علي بن الحسين بن أحمد الشهرزوري (عاش في القرن الخامس أو السادس الهجري).

ومن إنجازات الكرجي الرياضية المتميزة «مثلث معاملات ذات الحدين» ويسمى حالياً بمثلث باسكال.

ومن مؤلفاته الهندسية «إنباط المياه الخفية» الذي يعالج استخراج المياه الجوفية وجميع الموضوعات المرتبطة بها. ويعد الكتاب من الكتب المتميزة والنادرة في مجال هندسة استخراج المياه الجوفية، إذ تميز منهجه بالعلمية والدقة، وسرد معلوماته بتسلسل منطقي وشمولي. نُشر الكتاب أول مرة في حيدر آباد عام 1359ه، وترجم الكتاب أو أجزاء منه إلى اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية، وحُقق ودُرس ضمن أطروحة ماجستير قدمتها المهندسة بغداد عبد المنعم في معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب في عام 1993 بعنوان: «هندسة المياه الجوفية في التراث العربي» ثم نُشر على نحو مستقل بعنوان «إنباط المياه الخفية» في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة عام 1997.

ويذكر المؤرخون أن للكرجي كتاباً في علم عقود الأبنية، وهو مفقود، ويعرف طاش كبرى زاده هذا العلم بقوله: «هو علم تتعرف منه إلى أحوال أوضاع الأبنية، وكيفية إحكامها، وطريق حسنها كبناء الحصون المحكمة، وتنضيد المنازل البهية، والقناطر المشيدة، وأمثالها، وأحوال كيفية شق الأنهار، وتقنية القناء، وإنباط المياه، ونقلها من الأغوار إلى النجود، وغير ذلك. ومنفعته عظيمة في عمارة المدن والمنازل والقلاع».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/4rnuhbcr