عملت حكومة الإمارات على تمهيد الطريق للعديد من المؤسسات التجارية ذات السمعة الطيبة، لتتمكن معها من تحقيق الازدهار، وتوسيع بصمتها ونطاق تواصلها مع العالم. وبات وجودها في السوق المحلي بمثابة شهادة على البنية التحتية المتطورة والسياسات المتقدمة والموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به هذه الدولة.

ومن خلال تطبيق هذه المبادئ التوجيهية كمعايير، أنشأت الإمارات إطاراً تشاركياً للقطاع العام للإسهام في تنميتها الاقتصادية، مع الاعتماد على ركائز محددة جيداً، من أجل تشكيل بنية مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما في ذلك تمكين القطاع الخاص، وترسيخ بيئة تنظيمية شفافة، واقتصاد مستدام قائم على المعرفة.

إن الدور المهم للقطاع العقاري الخاص في جهود التنويع في الإمارات، والدعم المستمر خلال الأوقات العصيبة، يبرز الشراكات القوية المستمرة القائمة بين القطاعين العام والخاص. ومن بين قصص النجاح هذه قطب الأعمال مرويس عزيزي، مؤسس شركة «عزيزي للتطوير العقاري».

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: كيف تمكن من بناء هذه الإمبراطورية وتوفير رأس المال اللازم لتحقيق ذلك بسرعة؟ إن طريق مرويس عزيزي إلى الثروات العقارية لم يكن سهلاً بالتأكيد، فهو ولد في أفغانستان لأسرة مثقفة، وكان محظوظاً نسبياً مع طموحات كبيرة، وبرز كأفضل تلميذ في مدرسته، وتخصص في مجال القانون.

وفي عام 1988، وكان يبلغ من العمر 26 عاماً، ومع وجود 700 دولار أمريكي فقط في جيبه، كان يسعى لتحقيق حياة أفضل له ولأسرته. وانطلق إلى أوزبكستان للبحث عن صديق قديم له هناك يمكنه مساعدته في تحقيق هدفه لبناء حياة جديدة. وكانت خطته تقضي باقتراض 5000 دولار أمريكي من صديقه الذي كان أحد أقطاب صناعة النسيج، ليتمكن من الهجرة مع عائلته إلى أوروبا. وبدلاً من مجرد إقراضه المال، أعطاه صديقه حاويتين من المنسوجات للبيع. عندها عقد العزم على النجاح، وباع تلك البضاعة بسرعة، ثم حصل على 10 حاويات أخرى، وبعد مرور عام تقريباً، أصبح مستورداً لكومنولث الدول المستقلة، وأسس شبكة أعمال تضم مكاتب متعددة في أكثر من 20 دولة عبر قارات مختلفة، بما في ذلك عدد من الدول في أوروبا، مثل المجر وبولندا وبلغاريا، وكذلك في العاصمة الروسية موسكو.

التوسع إلى الإمارات

وقاده هذا التوسع إلى دولة الإمارات التي تعد مركز الأعمال الدولي الأول في المنطقة. وشرع مرويس في تطوير مجموعة متنوعة من القطاعات بخلاف التجارة، بما في ذلك الأغذية والتصنيع، مثل الدقيق والسكر وقطاع النفط والغاز، وحتى السيارات، حيث أصبح المستورد الحصري لسيارات نيسان وإنفينيتي في جميع أنحاء آسيا الوسطى. وفي 2006، أصبحت الخدمات المصرفية القوة التالية في محفظته، وقام بإنشاء بنك عزيزي الذي يعتبر الآن أكبر وأقوى مؤسسة مالية تجارية في موطنه الأصلي.

وكان مرويس مندهشاً من الفرص العديدة المتاحة في دولة الإمارات التي تتمتع بالأمن والنمو السريع، واشترى أول قطعة أرض له في دبي عام 2007، وأطلق حينها شركة «عزيزي للتطوير العقاري». وبعد عام واحد، كان يبيع العقارات على الخريطة، وقام بإنشاء هذه الإمبراطورية ووضعها على مسار النمو الواعد. ومع أن الأزمة المالية أوقفت بشكل مؤقت طموحاته العقارية، أعاد تشغيل الشركة في 2013، واستأنف بناء المشاريع القائمة، وقرر إطلاق المزيد منها.

وواصلت الشركة تقدمها السريع، وتعدّ «عزيزي» الآن المطور الخاص الرائد في دبي، وتحظى بشهرة عالمية واسعة، كما أنها محفز حقيقي لمشهد العقارات في الإمارات، مع وجود أكثر من 100 مشروع قيد التنفيذ، وآلاف الوحدات التي تم تسليمها بنجاح للعائلات السعيدة. وقامت «عزيزي» بتسليم وتطوير مشاريع عالمية المستوى في الوجهات الأكثر جاذبية بدبي، بما في ذلك «مدينة محمد بن راشد»، و«نخلة جميرا»، و«مدينة دبي الطبية»، و«الفرجان»، و«مدينة الاستوديوهات»، و«سبورت سيتي»، و«داون تاون جبل علي».

ويقول مرويس معقباً: «إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يمثل أكبر مصدر إلهام لي، لاسيما وأن ما أتاحه لي ولأسرتي، وما قدمه للملايين من بيئة للأعمال والسياحة المتميزة، يمثل قيمة استثنائية لا مثيل لها. أنا ممنون لقيادته، وسأسعى إلى الأبد للعمل وفق رؤيته».

ونظراً لشغف مرويس إزاء تمكين الشباب، وإيمانه بدور التعليم في بناء وتشكيل رأسمال بشري قوي، فقد أنشأ الجامعة الأمريكية في أفغانستان.

رؤية واقعية

«عودة إلى البداية».. فبعد عدة أيام من قيام صديقه بشرح كل ما يعرفه عن تجارة المنسوجات، تغيرت الخطة، وقال له: «إقراضك 5000 دولار ليس المشكلة، بل يمكنني أن أعطيك 50 ألف دولار، لكني أريد مساعدتك للانطلاق في عمل تجاري». ثم أعطاه حاويتين من المنسوجات بقيمة 25 ألف دولار، ومنحه ثلاثة أشهر لبيع البضاعة.

أدرك عزيزي أنه يمكن أن يحقق ربحاً يتراوح بين 8000 و10000 دولار، لذا قرر بيعهما مقابل ربح أقل بمقدار 2000 دولار وسداد دينه على الفور. لقد أذهل صديقه بذكائه التجاري، وقدرته على بيع بضاعته بسرعة كبيرة. وبما أن صديقه كان سعيداً بالحفاظ على ثقته، فقد أعطاه عشر حاويات أخرى، ليمهد له الطريق نحو جمع أول مليون دولار. عندها وظف سائقاً ومحاسباً، وأبرم صفقة معه للمغادرة إلى أوروبا بمجرد تحقيق مكسب يصل إلى 5 ملايين دولار، وهي مهمة قدّر أنها ستستغرق منه عامين تقريباً.وقال مرويس: «كان صديقي يستورد ما بين 100 إلى 150 حاوية من كوريا أسبوعياً، ويبيع كل قطعة ملابس قيمتها دولار واحد مقابل 5-6 دولارات، ووفرت معادلة العرض والطلب فرصاً واعدة. واكتسبت بسرعة قاعدة عملاء واسعة أدت إلى رفع حجم مشترياتي من 100 ألف إلى 150 ألف دولار أسبوعياً. وساعدني ذلك في بناء الأساس المالي للمستقبل».

تحديات وفرص

في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تمثل حياة جذابة له ولأسرته، تغيرت خطط مرويس عزيزي عندما اكتشف أرض الفرص - كما يصفها ألا وهي دبي. ويقول: «لقد أردنا أنا وعائلتي أن تكون دبي موطناً لنا لأسباب عدة؛ فقد كانت بالفعل متطورة للغاية عند وصولنا إليها، لكننا كنا نعلم جيداً أنها تحمل الكثير من الإمكانات. إنها وجهة تتميز بالأمان والابتكار والطبيعة المضيافة في جوهرها، ومدينة رائدة في مجال الأعمال والسياحة، كما تستقطب مجموعة متنوعة من الثقافات لتعيش فيها كأنها في موطنها».

لقد فهم مرويس عزيزي الآليات والمنظومة الاقتصادية المميزة لدبي، فقرر الشروع في مهمة لبناء إمبراطورية عقارية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقال مرويس: «لقد بعنا عقارات تزيد قيمتها على مليار درهم، ودفع العملاء 10% من قيمة وحداتهم، لذلك كان لدينا أكثر من 100 مليون درهم على شكل ودائع.. لكن بعد شهر واحد، فرضت الأزمة المالية تحدياتها، واخترت عدم إطلاق عمليات البناء. لكن تمكنت دبي من تجاوز أزمة الديون في عام 2009 بسبب انهيار أسعار العقارات، ما هدد بإجبار بعض الشركات على التخلف عن سداد ديون بمليارات الدولارات».

وبعد تقدم سريع استمر أكثر من عقد من الزمان، ظهرت هناك أزمة جديدة في الإمارة والعالم، وهي: «كوفيد – 19». وقامت حكومة دبي بعمل رائع لحماية الأطراف في قطاع العقارات خلال الأزمتين. أما الدرس الأكثر أهمية، أو القاسم المشترك الرئيسي الذي لاحظه مرويس من أزمة 2008 والتحديات التي فرضتها الجائحة الحالية، فهو إعطاء الأولوية للعملاء في جميع الأوقات. وفي كلتا الأزمتين، كانت القضية الرئيسية هي مسألة الدفعات، وواجه العملاء صعوبات في سداد مستحقاتهم. وفي شهري يوليو وأغسطس من عام 2008، اتصل العملاء بشركة عزيزي، وأعربوا عن قلقهم الشديد لعدم تمكنهم من مواصلة مدفوعاتهم.

وكما هو حال سائر اللاعبين العقاريين الفاعلين، تلقى المطور العديد من الطلبات لإيقاف المشاريع وإعادة الودائع.

ويقول مرويس عزيزي في هذا الشأن: «كان هذا الأمر مهماً بالنسبة إلي، لأنني أردت بناء هذه الشركة على قيم الصدق والنزاهة. ولم يجبرنا أحد على إعادة ودائع عملائنا؛ فالمطورون الآخرون لم يقوموا بذلك، لكننا أردنا فعل الصحيح. إن أهم ما تعلمته في سنوات مسيرتي الطويلة أن الممارسات الصحيحة تقود إلى النتائج المرجوة. وخلال الوباء، بذلت الشركة بالمثل قصارى جهدها لفهم العملاء ودعمهم خلال أوقاتهم العصيبة». وأضاف: «في ما يتعلق بالمبيعات، ستشهد الأسواق دائماً صعوداً وهبوطاً، ويمكن لأولئك الذين يستمعون إلى عملائهم عن كثب، ويتكيفون مع المستجدات، مع وضع مصالحهم في صميم كل قرار تجاري يتخذونه، التغلب على هذه الانخفاضات وتحقيق الازدهار. وبطبيعة الحال، فإنه عندما تنخفض القوة الشرائية، يصبح العملاء أكثر انتقائية ودقة في عملية اتخاذ قرارات الشراء. لقد حقق مرويس عزيزي إنجازات ملحوظة على مر السنين، ليكون نموذجاً جلياً للتأثير الإيجابي لدولة الإمارات في نجاح أولئك الذين يتمتعون بالطموح والحرص على القيم الفاضلة. وتمثل قصة نجاحه مصدر إلهام للكثيرين، إنها قصة الانتقال من الفقر إلى الثراء.

يد العون

في عام 2002، عاد إلى مسقط رأسه لأول مرة منذ 14 عاماً، ليجد دولة مزقتها الصراعات. يقول: «لقد ساعدت ما يقرب من 300 شخص من الأقارب وأصدقاء المدرسة، وقدمت لهم المال شهرياً على مر السنين. وجاؤوا جميعاً لرؤيتي، لكن عندما جلست معهم، شعرت بشيء مختلف بيننا.. ظللت أفكر: هل تغيرت أنا شخصياً أم تغير الناس؟ بعد فترة، أدركت أنهم كانوا شهوداً على الكثير من الحروب والرعب، ما تسبب بعدد كبير من المشاكل، فكيف يمكنني تقديم يد العون لهم؟».

وفي ضوء مواجهة البلاد نقصاً واضحاً في البنية التحتية نتيجة عدم الاستقرار السياسي، حدد مرويس بسرعة أوجه القصور الرئيسية واحتياجات الناس هناك، ووجد أن إمدادات الطاقة كانت واحدة من أكبر المشكلات. وحتى يتمكن من تحسين توزيع الوقود ودعم الاقتصاد وشعبه، بدأ ببناء محطات الوقود ومرافق تخزينه، وساعد على توفير أكثر من 5000 وظيفة في غضون أشهر.

بعد ذلك، أسس «مؤسسة عزيزي» لمساعدة الأسر المحرومة، وهي مبادرة تضمنت رعاية المنح التعليمية للطلاب في جامعته. وفي عام 2006، أسس «بنك عزيزي» الذي افتتحه ب 22 موظفاً معظمهم من الأجانب بسبب نقص المهارات في البلاد. وتلا ذلك إنشاء مركز تدريب انضم إليه 10 آلاف طالب، منهم 4000 موظف يعملون الآن في «بنك عزيزي»، و«البنك الإسلامي الأفغاني»، الذي اشتراه من «المصرف المركزي» في البلاد.

التركيز على تسليم مشاريع يجري تطويرها

تركز «عزيزي» حالياً على تسليم مشاريعها الجاري تطويرها، والتي تضيف جميعها قيمة إلى السوق، وتتميز بالربط الممتاز والوصول إلى المواقع الاستراتيجية، إضافة إلى المرافق الفريدة، وجودة مواصفات البناء بمستويات استثنائية، بدلاً من عمليات الإطلاق والمبيعات. وتعد المواقع الاستراتيجية المرتبطة جيداً بمحيطها أمراً أساسياً، ومنها مدينة محمد بن راشد التي تستضيف مجمعات ناشئة مميزة تم التخطيط لها بعناية. وهناك أيضاً الفرجان مع خط المترو الذي اكتمل مؤخراً، وإمكانية الوصول إلى موقع معرض «إكسبو دبي 2020» الذي يعتبر أيضاً منطقة مزدهرة.

لقد تمكن المطور «عزيزي» من تحقيق النمو بسرعة خلال السنوات الماضية بوتيرة تضمن له مكانة متقدمة. وحتى 2022، ستحقق عزيزي إيرادات كبيرة، وستزيد صافي أرباحها من 54 مشروعاً جار تطويرها، لاسيما وأنه تم بيع 80% منها تقريباً بالفعل من خلال استراتيجية البناء السريع والتسليم. وخلال الفترة من 2023 وحتى 2025، تخطط «عزيزي» لإطلاق وتسليم أكثر من 100 مشروع آخر بمليارات الدولارات، من خلال شراكاتها الاستراتيجية مع المطورين الرئيسيين في دبي. وهناك عامل آخر يحدد نجاح الشركة ونموها، ألا وهو الأهمية التي توليها لتحديد الأسعار بناء على الموقع ومدى ملاءمته للمستثمرين. وتوجد جميع مشاريعها في مواقع استراتيجية صاعدة، تعد وجهات مرشحة للنمو العالي في المدينة، ما يوفر سهولة الوصول إلى جميع مراكز الأعمال والترفيه والتجزئة الرئيسية.