عادي

شاعر يناجي ذئباً بعد فراق محبوبته

21:54 مساء
قراءة 3 دقائق
الفرزدق

الشارقة: «الخليج»

يعتبر همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي «الفرزدق»، «641م 732م»، واحداً من أشهر الشعراء العرب من الطبقة الأولى، عاش في العصر الأموي، وسمي الفرزدق لضخامة وتجهم وجهه، كتب الشعر في أغراضه العديدة من المدح والفخر، وبرع بصورة خاصة في نظم الهجاء، وله مساجلات شهيرة فيه مع الشاعر الكبير «جرير».

أحب الفرزدق ابنة عمه وكانت تسمى النوار، وهي فتاة جميلة، ولكن ذلك الحب كان فيما يبدو من طرف واحد، وقبل أن يعبر لها عن مشاعره تجاهها، تقدم رجل من قريش لخطبتها ووافقت عليه، وأرسلت إلى ابن عمها الفرزدق ليكون وليها في أمر الزواج، وقامت بإشهاد نفر من قومها على ذلك الأمر، لكن الفرزدق لم يكن أميناً في ذلك التفويض، فاستغله وأعلن للشهود بأنه قد زوج النوار لنفسه، فغضبت الفتاة غضباً شديداً ورفضت ذلك الأمر بكل حسم، ولجأت إلى عبد الله بن الزبير، وشكت له وطلبت منه أن يحل ذلك الإشكال، فقال لها الزبير: «إن هذا شاعر، وسيهجوني؛ فإن شئت ضربت عنقه وإن كرهت ذلك؛ فاختاري أن تقبلي به زوجاً»، فخشيت النوار على ابن عمها من القتل، فوافقت على الزواج به على مضض، ومكثت معه زماناً، لكن الحياة الزوجية كانت صعبة بينهما، فقرر الفرزدق أن يطلقها رغم حبه الشديد لها، وهو الأمر الذي ندم عليه أشد الندم وعبر عن ما لقيه من تعاسة وألم على فراق النوار بشعر يشبه فيه طلاقه لها بالخروج من الجنة، فيقول:

نَدِمتُ نَدامَةَ الكُسَعِيِّ لَمّا

غَدَت مِنّي مُطَلَّقَةٌ نَوارُ

وَكانَت جَنَّتي فَخَرَجتُ مِنها

كَآدَمَ حينَ لَجَّ بِها الضِرارُ

وَكُنتُ كَفاقِئٍ عَينَيهِ عَمداً

فَأَصبَحَ ما يُضيءُ لَهُ النَهارُ.

وفي إحدى الليالي، اشتد بالفرزدق وجع البعاد عن النوار، ولم يعد يحتمل ما يلاقيه من ألم الفراق، فخرج إلى الصحراء ليلاً، وأشعل ناراً، وأعد طعاماً، وأخذ يناجي محبوبته، وبينما هو سارح في أمر محبوبته، لمح ذئباً يقترب من بعيد بعد أن جذبته النيران، فكانت تلك بداية حوارية بينه وذلك الكائن المفترس الجائع الذي أراد مشاركته في الطعام، ثم حاول غدره بعد أن أطعمه، والحقيقة أن كل منهما كان خائفاً من الآخر، وظل الفرزدق يضع يده في سيفه تحسباً لأي حركة من الذئب، فقد كان الموقف متوتراً بينهما، وكان في بال الشاعر قصته مع النوار، فجاءت القصيدة محملة بالرموز ومحتشدة بالمشاعر، وقد وجد الفرزدق أن محاولة الذئب الغدر به شبيهة بما لقيه من محبوبته، وكذلك ستكون العلاقة معه، وعلى الرغم من ذلك طلب منه أن يدنو ووجد فيه أنيساً، ربما بعد أن يئس ممن حوله من البشر، بل وطلب منه أن يكون صديقاً له دون خداع ومراوغة، وكان الشاعر يرى أن تلك العلاقة المتوترة بينه وبين الذئب كانت شبيهة بتلك التي جمعته بالنوار، وهي القصيدة الشهيرة التي مطلعها:

وَأَطلَسَ عَسّالٍ وَما كانَ صاحِباً

دَعَوتُ بِناري موهِناً فَأَتاني

فَلَمّا دَنا قُلتُ اِدنُ دونَكَ إِنَّني

وَإِيّاكَ في زادي لَمُشتَرِكانِ

فَبِتُّ أُسَوّي الزادَ بَيني وَبَينَهُ

عَلى ضَوءِ نارٍ مَرَّةً وَدُخانِ

والحقيقة أن تلك القصيدة، هي من أكثر النصوص العربية القديمة التي أشبعها النقاد بحثاً وتحليلاً، لكونها عامرة بالرموز وقابلة للتأويل، وذهب كثير منهم إلى أن الفرزدق حاول أن ينتصر لنفسه في تلك القصيدة، ويرمي باللوم على النوار، ظناً منه بأنها قد غدرت به، ولكن الصحيح أن الشاعر هو من بادر بالغدر بمحبوبته، فقد تزوجها منذ البدء عنوة وفرض نفسه عليها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"