عيد الاتحاد الخمسون: جيهان شعيب

من الأحلام ما يعانق السماء، ويعلو فوق الإمكانيات، دون أن تقيده محدودية، أو صعوبات، ومن الرجال من يحول مثل هذه الأحلام التي قد تعد ضرباً من الخيال إلى واقع، ومنهم كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، الذي قرر توحيد الإمارات السبع، التي كانت متناثرة، وتفتقر إلى الكثير، لتتحول من إمارات إلى دولة الإمارات، دولة بهية ومزدهرة، وتفوق التوقعات بمستقبلها.

ومع العزيمة، وبالإرادة، والتفكير الحكيم سابق العصر، وقبل تأسيس الإمارات، قال الشيخ زايد مقولته (ثروتي في سعادة شعبي)، وتلك كانت رؤيته لابن هذه الأرض، الذي عاش قبل الاتحاد شظف العيش، دون أبسط مقومات الحياة السهلة، المريحة، والميسرة، فلا مستشفيات، أو عيادات، ولا مدارس، أو وسائل مواصلات، أو أي مما يحقق للإنسان ما يسعده في يومه، ويتمناه لغده، ويطمح إليه لمستقبله.

مراحل متقدمة

تحدث عبيد سهيل الطنيجي عن الفترة اللاحقة لقيام الاتحاد، قائلاً: إن دولة الإمارات العربية المتحدة تزهو بما تحققه من مراحل متقدمة، ومتجددة من النمو، والازدهار في ظل رؤية قيادتها الرشيدة منذ تأسيس كيان الاتحاد في الثاني من شهر ديسمبر لعام 1971، والذي تمثل في هدف اتفقت كافة الاستراتيجيات على تحقيقه منذ عهد الآباء المؤسسين، وهو جعل الإمارات من إحدى أفضل الوجهات في العالم.

جاء تعبير أبناء الدولة عن سعادتهم به، موازياً لحجم الحدث، فخرجت مسيرات شعبية للتعبير عن الفرح، واجتمع الكل في جلسات بهجة، وبدأوا في التفكير في ما يمكن أن يتوفر لهم من توحيد الدولة، ولم تخرج أحلامهم عن مجرد بناء مستشفى هنا أو مدرسة هناك، أو غير ذلك من القليل البسيط، حيث سقف تمنياتهم كان منخفضاً، بحكم ما عاشوه من مشقة، وتعب، لذا لم يخطر ببالهم – مجرد خاطر - أن يصلوا لما أصبحوا عليه اليوم.

ولأن وكما يقال أهل مكة أدرى بشعابها، فمن عاصروا تلك الفترة هم الأقدر على وصف ما عاشوه قبل الاتحاد، وما عايشوه فور إعلانه، وذكرياتهم عن تلك الأيام.

عشق الوحدة

تعود فاطمة المغني بذاكرتها إلى الوراء قائلة: في البدايات قبل الاتحاد، كان يطلق على الدولة «الإمارات المتصالحة»، وفي يوم ما سمع الناس أن هناك رجلاً حكيماً يدعى زايد، وأنه يسعى إلى تأليف القلوب، وأنه يمر على شيوخ الإمارات السبع، أو التسع، بما فيهم قطر، والبحرين، للتشاور في أمر الوحدة، ويريد أن تجتمع البلاد تحت وحدة واحدة، حتى أنه في عام 1968، دعا كل الناس لزيارته في مقر حكمه في قصر الحصن، وذهب عدد كبير من مواطني الإمارات المتصالحة إلى هناك، وكان يمنح كلاً منهم مبلغاً مالياً من جيبه الخاص، بمن فيهم المقيمون، وكانوا بالمئات، وشاع عنه أنه كريم، ومضياف، وأنه يستقبل الوفود بترحاب، ولما جاء موعد الاتحاد، وبدأت المشاورات بين الإمارات لتكوين الكيان الاتحادي.

وبذلك تهيأ الناس للاتحاد، من كثرة ما تناقلوا أخبار وسيرة وآمال الشيخ زايد، الذي كان يعقد اجتماعات في أبوظبي في السميح، ومناطق أخرى في الدولة، وكانت تتناقل الأخبار بأن هناك اتحاداً يتم الإعداد له، فسارع كثير من الإماراتيين المغتربين الذين كانوا يعيشون في دولة الكويت عامي 1969، و1970 إلى تقديم استقالتهم في الكويت، والبحرين، والدمام، والعودة إلى الوطن، مع ظهور بوادر الوحدة، وبداية ظهور البترول، وبدأ الشيخ زايد يفكر في مستقبل الأوطان بمعية إخوانه حكام الإمارات الأخرى، وعندما رفع علم الوحدة، كانت الطموحات موجودة، وكان عشق الوحدة قائماً، وخاصةً في بداية السبعينات، وكان الجميع يتحدثون عنها، وعن العروبة والقوه فيها، وعن أن الاتحاد بين الإمارات سيكون أنجح، وأنه السبيل الناجع لتحقيق آمال وطموح الشعب.

وعندما تم رفع علم الاتحاد، بدأ كثير من الناس يباركون هذه الوحدة، وينظرون لمصر وسوريا كنموذج مثالي، ولكن الشيخ زايد وإخوانه المؤسسين وضعوا نصب أعينهم أن تكون التجربة الإماراتية تجربة فريدة، وطويلة الأمد، تذوب فيها كل الفروقات، وتكون الإمارات العربية المتحدة دولة يشار إليها بالبنان في المجتمع المحلي، والعربي، والخليجي، والدولي، وفعلاً تحقق ذلك لزايد، وللآباء المؤسسين، وكان نجاحاً للوطن، وطبعاً لا ننسى دور الآباء المؤسسين في تكوين الاتحاد بقوته، الذي تذوب فيه الفوارق، والمصالح الخاصة، تحت راية الوحدة بدولة الإمارات، والتي بدأت ثمارها في التعليم، بتزايد عدد المدارس، والمعلمين، والجامعات، ومع أحلام زايد تم افتتاح جامعة الإمارات عام 1977 /1978، وأيضاً بدأت المستشفيات، وتم تغيير المنظومة الصحية، وأصبحت في كل إمارة ومنطقة وحدة صحية، ومستشفى، ومركز علاجي.

كما عمل الشيخ زايد على إنشاء شبكات الطرق، بدءاً بشق الطرق بين الجبال، ووسط التضاريس الصعبة، والتلال، والصحارى، والبحار، لتسهيل التواصل بين الإمارات، إلى جانب تشجيع الطلاب عن طريق صرف رواتب لهم كمنحة تشجيعية، لتحفيز الأهالي على تعليم أولادهم، ليستمروا في مراحل متقدمة في التعليم، وكذلك تقديم الملابس، وبناء المدارس الحديثة، والنموذجية، وإنشاء وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي المؤسسة التي تقوم بخدمة أبناء المجتمع من أرامل، ومطلقات، وأيتام، وصرف رواتب لهم، ويكفينا فخراً أنه يطلق علينا النموذج الأوحد في العالم، الذي استمر سنوات وسنوات، وها نحن نحتفل بالعام الخمسين، ونحن أكثر قوة، وتعافياً، ونحتل الرقم واحد في العالم في كثير من أمورنا، ويكفينا فخراً أننا نمتلك جواز سفر هو رقم واحد، يسمح له بدخول ما يتعدى 200 دولة من دون تأشيرة.

تحدي الصعاب

واستحضر حمد الشوين الكعبي جوانب مما انطوت عليه ذاكرته عن الدولة قبل وبعد الاتحاد، وعن التطور التدريجي الذي مرت به، إلى حين تربعها حالياً على رأس الهرم مقارنة بغالبية الدول، التي ربما سبقتها تاريخياً، ويقول: قبل قيام الاتحاد كانت المعيشة صعبة جداً، حيث لم تكن في منطقة المدام التي نقطنها خدمات، أو مدارس، إلا في بعض المدن الرئيسية، وكانت الإمارات من قديم الزمن تحت الانتداب البريطاني، الذي أقام في معسكر بالشارقة، وكان الاستعمار يتسبب في الكثير من المشاكل، لإحداث حالة من عدم الاستقرار، وحتى تطول فترة استعماره، وكنا في مناطق البادية نتوجه على الجمال، أو سيراً على الأقدام، من مسافات بعيدة مثل المنطقة الوسطى لنصل إلى منطقة الشارقة، أو دبي، وعجمان في حوالي ستة أيام ذهاباً وإياباً، حتى نكسب من بيع المواد الغذائية، وأخرى مثل الفحم والحطب، وكان العمل شاقاً.

وجاء الاتحاد عام 1971، بفضل المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراهما» مع إخوانهما حكام الإمارات، وشكل الاتحاد قوة لكل الناس وللقبائل الموجودة بالإمارات، التي كانت تسمى الإمارات المتصالحة، فالجميع رحبوا بالاتحاد، الذي تأسس من الصفر، ومع أن الناس كانوا غير متعلمين، إلا أنهم كانوا يملكون عقولاً ناضجة، ولديهم إنسانية، ووطنية، والحقيقة أن تأسيس الدولة لم يكن بسيطاً أو هيناً، بل عملية كفاح وعمل شاق حتى غدت الإمارات دولة كبيرة على الصعيد الإقليمي والعالمي.

ولكن بعد تكوين الاتحاد تم توفير الخدمات، والمرافق بأنواعها، والطرق، والمدارس، والمستشفيات، وغيرها الكثير، وأضحت الإمارات بمرور الوقت دولة عصرية، بالرغم من المصاعب التي واجهتنا في البداية، إلا أننا وبفضل قيادتنا الرشيدة وصلنا اليوم إلى المريخ، والحمد لله اكتملت المسيرة، ولم تتوقف، بفضل الجيل الذي خلفه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والذي أخذ النمط ذاته الذي كان يشتغل عليه «طيب الله ثراه»، وكذا تفكيره، وتعامله مع الشعب، علاوة على سعي الإمارات الدائم للإنسانية.

نحن دائماً نتكلم أن دولتنا بلد خير، ورحمة بوجود شيوخنا على قمة الهرم، وكذلك شعبنا، والمقيمين على أرض دولتنا، التي تشكلت بفضل رجال على قدر المسؤولية، شمروا عن سواعدهم، وتحدوا الصعاب، وكان لديهم طموح لا يتوقف أبداً، ونحن عاصرنا الماضي، وكنا لا نتوقع أن نرى، ونعيش ما نحن عليه الآن، ولكن بالعزم، والحزم، وصلنا إلى القمم.

ملتقى البشرية

وبحسب سالم محمد بن هويدن رئيس مجلس إدارة نادي الذيد الثقافي الرياضي وعضو المجلس الوطني الاتحادي السابق: دولة الإمارات قطعت أشواطاً كبيرة في سبيل تقدمها، ونهضتها، وارتقت محلياً، ودولياً، واعتلت مكانة رفيعة بين مختلف الدول العالمية، في ظل ما حققته من تقدم في جميع المجالات، بما أهلها لتقارع الدول العظمى في تقدمها سواء في الوصول إلى الفضاء، وفي مجالات الطاقة النووية، وغيرها من المجالات.

وقال: الإمارات وهي تعيش مرور خمسين عاماً على تأسيسها منذ الثاني من شهر ديسمبر لعام 1971، تؤكد للعالم أنها دولة الحضارة، والإنسانية، والتقدم، والتسامح، والعلم والعلماء، وأن أرضها ملتقى البشرية.

مسيرات فرح

واسترجع د. علي بن حنيفة بعض مفردات الحياة في الدولة قبل قيام الاتحاد، والفرحة التي اعترت شعبها حين إعلانه، ويروي: كانت الإمارات قبل قيام الاتحاد عبارة عن سبع إمارات متفرقة، منهم من يعمل في الزراعة، وخاصة زراعة النخيل، ومن يعمل في الصيد، إلى جانب عدد كان يسافر للعمل في دولة الكويت، والدمام، والبحرين، وقلة كانت تسافر في رحلات تجارية، وكان حينما يحل فصل الشتاء يسكن الأهالي بجوار البحر، وفي الصيف يقيمون في المزارع.

ويضيف: كانت الإمارات قبل الاتحاد لا تعرف شيئاً عن التحضر، أو التمدن، ولم تكن بها مطارات للسفر، إلا بعض الموانئ الصغيرة، التي يعتمد عليها بعض الناس في تجارة التمر، والملح، مع البصرة، وإيران، كما كانت بيوت الإمارات قبل الاتحاد من سعف النخيل، والطين، فيما كانت الإمارات المتصالحة بشكل عام تعيش شبه مقطوعة عن العالم الخارجي، حيث كان لكل إمارة حاكم مستقل، يتولى إدارة شؤون إمارته إدارياً وسياسياً.

وحين أعلن استقلال الإمارات عن بريطانيا، قام الشعب بمسيرات، وفرح الناس فرحاً شديداً بيوم الاستقلال، ورزقنا الله سبحانه وتعالى بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، فوحَّد الإمارات السبع، وبنى المدارس، وتغيرت الحياة، وتطورت في كل شيء، وهدأت المنازعات بين الإمارات، وتسابق الجميع للنهوض بالبلاد، وفرح العباد، وبنيت البيوت، وعمرت الديار، وفتحت الأسواق والمقار، وأصبح للإمارات كيان مستقل، وبخطى سريعة تطورت دولة الاتحاد.

واليوم بعد 50 عاماً على قيام الدولة، أضحى الحلم حقيقة.

فرق شاسع

واجتمعت كل من شيخة سالم الزعابي ونافجة بن جرش على القول: عشنا قبل الاتحاد حياة صعبة جداً من جميع النواحي، حيث كنا عبارة عن قبائل متناثرة تقطن أماكن عدة، ونبحث عن قوت يومنا بالتنقل من مكان إلى آخر وفق توفر الرزق، مثلاً في فترة الصيف نتوجه لمناطق بعيدة عن البحر لحماية أنفسنا من شدة حرارة الطقس، والعكس عن ذلك في الشتاء، حيث كنا ننتقل للمناطق القريبة من البحر، كما كنا نعاني جلب الماء، وبحق كانت الحياة قاسية جداً في كل شيء.

وفور الإعلان عن قيام الاتحاد سعدنا للغاية، لربط جميع الإمارات في دولة واحدة، ولم يكن حلمنا وقتذاك سوى أن نعيش حياة بسيطة، يتوفر فيها ولو القليل من مفردات الحياة الكريمة، حيث لم نتوقع أن تصل الدولة وتصبح بهذا المستوى من الحياة الراقية، والمرفهة، وأن تتوفر بها جميع الخدمات، وبحق اليوم يعيش المواطن أجمل أيامه.

مراحل متقدمة

تحدث عبيد سهيل الطنيجي عن الفترة اللاحقة لقيام الاتحاد، قائلاً: إن دولة الإمارات العربية المتحدة تزهو بما تحققه من مراحل متقدمة، ومتجددة من النمو، والازدهار في ظل رؤية قيادتها الرشيدة منذ تأسيس كيان الاتحاد في الثاني من شهر ديسمبر لعام 1971، والذي تمثل في هدف اتفقت كافة الاستراتيجيات على تحقيقه منذ عهد الآباء المؤسسين، وهو جعل الإمارات من إحدى أفضل الوجهات في العالم.