عادي

خبر في صحيفة يصنع أغرب مقدمة لرواية

18:53 مساء
قراءة 3 دقائق
غابرييال غارسيا ماركيز

الشارقة: «الخليج»
مقدمة الرواية أو القصة، هي من واحدة من أهم عتبات السرد، وتأتي بعد العنوان، وتتضمن بالضرورة وجهة الأحداث وتشير إليها، ويعمل معظم الكتاب البارزين على أن تمتلئ مقدمة العمل بعناصر الإثارة والتشويق والمتعة، من أجل تحفيز المتلقي على مواصلة القراءة دون انقطاع، وحتى لا يتسرب الملل إليه من أول سطور في القصة أو الرواية، لذلك نجد أن العديد من الأعمال السردية العظيمة تضم مقدمات مدهشة أو غريبة أو مفارقة لما هو متوقع من قبل القراء.
ذلك ما فعله، بإتقان مدهش، أفضل كتّاب أمريكا اللاتينية، الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، «1927 ـ 2014»، الحائز جائزة نوبل للآداب في روايته الشهيرة، «قصة موت معلن»، ذلك العمل الذي نال صدىً كبيراً ضمن روايات أخرى للكاتب.
وتتحدث القصة بأسلوب سردي غير خطّي، حيث يرويها راوٍ مجهول، عن بطلها «سانتياغو نصار»، الذي يعيش مع والدته، حيث يتولّى بنجاح إدارة مزرعة العائلة بعد وفاة والده إبراهيم ذي الأصول العربية، ويصبح نصار مستهدفاً فجأة من قبل «باياردو سان رومان»، الذي اتهمه بإقامة علاقة مع عروسه «أنخيلا فيكاريو»، فيقرر قتله بعد أن ذكرت له العروس في يوم الدخلة، أن نصار اعتدى عليها، وتلك المعلومة غير صحيحة وباطلة تماماً، لكن الغضب يعمي «باياردو سان رومان»، ليتفق مع شقيق العروس على أن يقتلا سانتياغو انتقاماً لشرف العائلة باستخدام سكينَين كانا مخصّصين لذبح الخنازير.
أما مقدمة القصة الغريبة العجيبة، فهي تقول: «في اليوم الذي ذهبوا إليه ليقتلوه، استيقظ سانتياغو نصار في الخامسة والنصف صباحاً لانتظار موكب الأسقف، وكان قد حلم بالأشجار والطيور، غير أنّه راوده شعورٌ بعد ذلك، أنّ فضلات الطيور سوف تغطي جثته تماماً».
مقدمة لا تعتمد على التشويق والإثارة فقط، بل الدهشة كذلك، والغرابة بصورة أساسية، وعلى الرغم من أن أدب أمريكا اللاتينية ينتمي إلى تيار الواقعية السحرية؛ أي أن العجائبية جزء أساسي من مكوناته، إلا أن تلك المقدمة عدت إحدى أغرب افتتاحية لرواية أو قصة قصيرة، وقد وجدت إعجاباً كبيراً من نقاد الأدب في مختلف أنحاء العالم، وذلك ما أشار إليه ماركيز بنفسه عندما ذكر أنّ مقدمة قصته هذه تعد من أفضل أعماله، وفي إحدى مقابلاته الصحفية، وفي سيرته الذاتية أشار إلى أن مقدمة «تفاصيل موت معلن»، تعد من أفضل افتتاحيات رواياته.
والسؤال الذي ربما يجول في أذهان الكثير من قراء الأعمال السردية، هو: من أين استلهم ماركيز تلك الرواية والمقدمة البديعة؟ وذلك ما أجاب عنه ماركيز نفسه عندما ذكر أنه قد استوحاها من قصاصة ورق في إحدى الصحف، ضمت خبر مقتل شابٍ في إحدى القرى النائية، فحولها إلى علامة سردية خالدة، تتناول في موضوعها عبثية الأحداث، والتفاوت الطبقي في ظل انعدام المساواة والعدالة، ويشير ماركيز إلى أن عنوان الخبر المقتضب هو الذي أوحى له كتابة المقدمة.
ويقول ماركيز إنّه كتب رواية محسومة منذ الصفحة الأولى، فالقتيل معروف ومشهور، والمجرمون متوفرون. غير أنّ شخصية القتيل؛ «سانتياغو نصار»، سوف تخلد طويلاً في ذاكرة القراء، وستجعلهم شغوفين بقراءة كامل صفحات الرواية حتى يكتشفوا ذلك السر الكامن وراء تضامن مدينة بكاملها من أجل قتل نصار، لذلك جاءت المقدمة وهي تلقي ضوءاً مكثفاً، أشبه بعملية إسقاط الإضاءة على الممثل في المسرح، على بطل الرواية، بطريقة مبتكرة وغير اعتيادية، بحيث تضمنت المقدمة شخصية البطل ومصيره في ذات الوقت.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"