عادي

«داعش» يُقلق العراق مجدداً

23:36 مساء
قراءة 5 دقائق

د. محمد عز العرب *

تزايدت العمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم «داعش» في عدة مناطق ومدن عراقية في الفترة الماضية، حيث يستهدف قوات الأمن ومحطات الطاقة والبنية التحتية والعناصر المدنية على نحو يشير إلى استمرار الخطر الذي تشكله بقايا هذا التنظيم في شمال العراق وشمال شرق سوريا رغم هزيمته في الثلث الأول من عام 2017.

هذا التطور استلزم اتخاذ مجموعة من الإجراءات من الجانب العراقي، ومنها مراجعة الخطط الأمنية ودعم جهود التنسيق بين بغداد وأربيل لمواجهة داعش، وإطلاق العمليات العسكرية «الخاطفة» في الحواضن الشعبية لبقايا التنظيم والمناطق الرخوة، وتنسيق قيادة العمليات المشتركة ومحاولة واشنطن تقديم دعم لوجستي لإقليم كردستان العراق، ومساندة العشائر للأجهزة الأمنية بالإدلاء بمعلومات تمكنها من تعقب عناصر التنظيم.

تهديد باق

فقد أعلنت وزارة البيشمركة في إقليم كردستان العراق في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن إرهابيي داعش شنوا هجوماً على جبهات «الفوج 2 لواء 9 مشاة» التابع لوزارة البيشمركة «ضمن حدود منطقة كفري»، ما أدى إلى مقتل أحد عناصرها وجرح ثلاثة آخرين. كما شنت عناصر التنظيم في 3 ديسمبر/كانون الأول الحالي، هجوماً على قريتين واقعتين على حدود سركران وجبل قرة جوغ في قضاء مخمور (منطقة جبلية، على بعد 70 كيلومتراً جنوب شرقي الموصل، و60 كيلومتراً جنوب غربي أربيل) في إقليم كردستان العراق، وارتفعت حصيلته إلى 13 قتيلاً (3 مدنيين و10 مقاتلين أكراد).

واللافت للنظر تزايد هجمات داعش على إقليم كردستان العراق في الفترة الأخيرة، على نحو أدى إلى مقتل بعض قوات البيشمركة وإصابة آخرين، إذ إن التنظيم ينشط بشكل كبير في الأماكن المتنازع عليها بين بغداد وأربيل لاسيما منطقة مخمور، بالإضافة إلى وجود حاضنة شعبية للتنظيم الإرهابي في تلك المناطق. وتشير التقديرات الغربية إلى أن هناك ما يقارب من عشرة آلاف من أعضاء تنظيم داعش مازالوا في العراق وسوريا، بحيث يشكلون خلايا التنظيم النائمة التي تخلت عن مشروع السيادة الترابية لصالح القيام بعمليات الذئاب المنفردة.

ولعل الهجمات الداعشية المتتالية التي استهدفت إقليم كردستان يمكن تفسيرها انطلاقاً من الدور الذي قام به الإقليم في هزيمة التنظيم، علاوة على استمرار قيادات كردستان العراق في تنبيه القوى الدولية بضرورة تجفيف بقية منابعه والهزيمة الدائمة لداعش. وفي هذا الإطار، دعا رئيس إقليم كردستان نجيرفان البرزاني إلى التعاون الجدي بين الجيش الاتحادي والبيشمركة ومساندة قوات التحالف الدولي للتصدي لداعش، وهو ما جاء خلال استقباله في أربيل سفير إيطاليا في العراق برونو أنطونيو في 28 نوفمبر الماضي.

تأثيرات انتشارية

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن هناك مجموعة من التداعيات الناتجة عن هذا التهديد المتصاعد لداعش على أمن واستقرار العراق، على النحو الآتي:

1- مراجعة الخطط الأمنية، لمواجهة خطر بقايا داعش، وهو ما أكده القائد العام للقوات المسلحة العراقية مصطفى الكاظمي خلال ترؤسه في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري، وفداً أمنياً يضم وزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش، ونائب قائد العمليات المشتركة، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، ووكيل وزارة الداخلية لشؤون الاستخبارات، وعدداً من القيادات الأمنية. فضلاً عن تشديده على تلك المراجعة خلال زيارته لأربيل والبصرة بعد العمليات الإرهابية التي شهدتهما، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

2- تنسيق قيادة العمليات المشتركة إذ بحث رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مع رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، في اتصال هاتفي يوم 7 ديسمبر، التهديدات الأمنية والاعتداءات الأخيرة لتنظيم داعش التي طالت مواقع للقوات الأمنية العراقية والمواطنين العراقيين، وأدت إلى مصرع وجرح عدد من البيشمركة والمدنيين. وأكد الكاظمي «الدعم الكامل لجهود البيشمركة في مقارعة الإرهاب»، مشدداً على «ضرورة التنسيق الكامل بين القوات المسلحة العراقية من الجيش والبيشمركة والقوى الأمنية الأخرى، ولاسيما في مناطق الفراغ الأمني بين الطرفين»، كما قال بيان لرئاسة الإقليم.

وقد تكونت نواة تنسيقية من قيادة عمليات بعض المناطق (مثل ديالى وكركوك ونينوى) وقيادات المحور الأول والثاني من قوات البيشمركة وقوة من جهاز مكافحة الإرهاب وقوات خاصة من حرس إقليم كردستان العراق، بإسناد جوي من طيران الجيش وقوات التحالف الدولي، لتنفيذ عمليات في المناطق الفارغة على الحدود مع كردستان وتطهير بعض المناطق التي يسعى داعش للتمركز في أطرافها مثل الأنبار، وتأكيد رسالة رئيسية مفادها بأنه «لا أحد فوق قرار الدولة العراقية ولا سلاح خارجها»، مثلما يرددها الكاظمي بشكل مستمر.

3- إطلاق القوات العراقية، في 11 ديسمبر عملية عسكرية ضد تنظيم داعش في سلسلة جبال حمرين، شمال شرقي البلاد بعد تزايد هجمات تنظيم داعش في الآونة الأخيرة لاسيما في سلسلة جبال حمرين ومحافظة نينوى وكركوك، حيث أدت الهجمات المباغتة للتنظيم الإرهابي إلى سقوط عشرات الضحايا.

4- محاولة واشنطن تقديم دعم لوجستي لإقليم كردستان العراق: فقد كشف بيان صادر عن المكتب الإعلامي لمجلس وزراء إقليم كردستان يوم 8 ديسمبر عن رسالة تلقاها رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني من وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن. وبحسب البيان، أكد أوستن أهمية تعزيز العلاقات بين إقليم كردستان العراق والولايات المتحدة، والتنسيق المشترك في التصدي لتنظيم داعش. وقال «نشكر البيشمركة على دورها المهم في هزيمة داعش، ونحيي بإجلال وإكبار تضحيات البيشمركة في الحرب ضد التنظيم». وشدد على أن «هناك علاقة خاصة تربط بين إقليم كردستان والولايات المتحدة، وهي علاقة قائمة على القيم والاحترام المتبادل».

5- مساندة العشائر العراقية للأجهزة الأمنية بتقديم معلومات قد تمكنها من ملاحقة عناصر داعش،لأن المناطق التي يختبئ فيها عناصر التنظيم قد لا تكون معروفة بدقة لأجهزة الأمن وقوات الجيش، في حين تكون متوافرة لدى العشائر التي تعد اللبنة الأساسية للمجتمع العراقي.

ملء الفراغات

تعتبر الفراغات الأمنية بين قوات الجيش العراقي والبيشمركة، من الحدود السورية شمالاً عند محافظة نينوى مروراً بمحافظة صلاح الدين وكركوك وصولاً إلى ديالى على حدود إيران، أحد التحديات الرئيسية التي تواجه عملية مكافحة بقايا أعضاء داعش إذ تشكلت تلك الفراغات في مرحلة ما بعد الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق في نهاية عام 2017، وفي بعض المناطق تكون هذه الفراغات بعمق بضعة كيلومترات، وتُعد ملاذاً لتحرك مسلحي داعش دون وجود قوات أمنية، تنطلق من خلالها إلى بوابات المدن ما يسهل القيام بعمليات إرهابية للتنظيم الذي يسعى لإعادة تموضعه، سواء عبر الخلايا النائمة أو محاولات التسلل عبر الحدود السورية التي لاتزال ممراً لها. إذ لا زالت هناك عناصر بشرية تمكن التنظيم من الاحتفاظ بها، وهو ما يفسر العمليات التي ينفذها من آن لآخر، أو إعلان السلطات العراقية المتكررة عن إلقاء القبض على بعض قياداته وعناصره، وهو ما يتطلب استدامة الضربات الاستباقية.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"