أسرى الحروب الأبدية

00:01 صباحا
قراءة 3 دقائق

بعد عشرين عاماً من إطلاق الشرارة الأولى للحرب العالمية على الإرهاب، بات التيار العام في النخبة السياسية الأمريكية، بما في ذلك الكتلة الصلبة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يؤيد بقوة وضع حد لهذه الحروب التي بدأت رداً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 . وأصبح تعبير لا للحروب الأبدية شعاراً للمرحلة يتبناه السياسيون من كل الاتجاهات بعد أن تبينت لهم ضخامة الكلفة البشرية والمادية التي تتحملها بلادهم نتيجة استمرار مغامراتها الخارجية. والرأي العام أيضاً يشكل عنصر الضغط الأكبر في هذا الاتجاه، فلم يعد بوسعه تحمّل المزيد من الخسائر.
  غير أن هذا الدفع الرسمي والشعبي لإنهاء الحروب الخارجية لم يقترن حتى الآن بإجراء قانوني أو سياسي محدد. فلم يصدر مثلاً إعلان رسمي بانتهاء الحرب العالمية على الإرهاب، رغم الانسحاب من أفغانستان والعراق. ولم تقرن الإدارات الأمريكية تعهداتها الشفوية بأي إجراء محدد ارتبط بهذه الحروب. بل تكتفي بالكلمات، على حد تعبير كارين جرينبرج، مديرة مركز الأمن القومي في جامعة فورهام بنيويورك، والتي تقترح ثلاث خطوات محددة يجب اتخاذها لكي يمكن أن تدّعي بعدها أمريكا أنها ودّعت عصر الحروب الأبدية. من دون ذلك سيظل الأمريكيون، كما تقول، أسرى هذه الحروب التي لن تتوقف.
  الإجراء الأول هو إلغاء القانون الصادر عام 2001 الذي يخوّل الرئيس سلطة استخدام القوة لمواجهة التهديدات الخارجية. وقد ارتبطت الحرب على الإرهاب بهذا التشريع الذي يسمح للرؤساء بشن الحروب من دون الرجوع إلى الكونجرس. ولا يتضمن القانون أي إشارة إلى عدوّ محدد، ولا ينصّ على فترة زمنية لسريانه، ولا يحدد طبيعة الأعمال العدائية التي تستوجب استخدام القوة، ومتى، وكيف يمكن الحكم بانتهاء هذه الأعمال العدائية. كما لا يحدد حجم القوة التي يستخدمها الرئيس، وهل تكون حرباً شاملة، أو مجرد عمليات محددة. ولا يشير إلى النطاق الجغرافي الذي يجب أن تتقيد به العمليات.
  ونتيجة لهذا النص الفضفاض استخدم الرؤساء التفويض وقتما وكيفما شاؤوا. بدأت الحرب بأفغانستان يليها العراق، ثم امتدت العلميات العسكرية إلى 19 دولة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
  الإجراء الثاني الذي تطالب به الباحثة الأمريكية هو إغلاق معتقل جوانتانامو الأمريكي سيئ السمعة الذي ارتبط بالحرب على الإرهاب.  في البداية ضم المعتقل الذي افتتح في يناير/ كانون الثاني 2002 بالقاعدة الأمريكية في كوبا 78 معتقلاً، تراجع عددهم إلى 39 حالياً، ينقسمون من الناحية القانونية إلى فئتين؛ الأولى تضم 12 معتقلاً تنظر في أمرهم لجان عسكرية تعمل كمحاكم بعد إعداد ملفات اتهام بشأنهم . والمجموعة الأخرى تضم 27 معتقلاً قابعين في زنازينهم من دون محاكمات. ومنذ افتضاح أمر التعذيب في المعتقل أصبح نقطة سوداء في تاريخ أمريكا. والغريب أن الإدارات المتعاقبة خاصة الديمقراطية حاولت إيجاد حل قانوني لوجوده بلا جدوى. بل إن الرئيس الأسبق باراك أوباما وقّع مرسوماً بإغلاقه في اليوم الأول لتوليه السلطة إلا أنه فشل في تنفيذه. وقد وعد الرئيس الحالي، جو بايدن، بإغلاقه قبل نهاية فترة حكمة الأولى.
  وترى الباحثة الأمريكية في التقرير الذي نشرته على الإنترنت أن الخطوة الثالثة الضرورية لدخول قرار انتهاء الحروب الخارجية الأبدية حيز التنفيذ هو إعادة تعريف التهديدات الخارجية. فالإرهاب الخارجي لم يعد الخطر الداهم الذي يهدد أمريكا. وقد نصت استراتيجية الأمن القومي التي وضعتها إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، على أن المنافسة مع القوى الخارجية، خاصة الصين وروسيا، هي التحدي الأكبر الذي يواجه الأمن القومي، أي ليس الإرهاب.
  ومن دون إعادة تعريف طبيعة التهديدات التي تواجهها أمريكا، وفي ظل بقاء جوانتانامو مفتوحاً، وسريان قانون تفويض الرئيس بالحرب، لا معنى لحديث القادة الأمريكيين عن انتهاء حروبهم الأبدية. ولا يكفي أن يكون لدى هذا الرئيس أو ذاك النية في التوقف عن الحروب، لابد من إجراءات عملية، فالطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الطيبة.
[email protected]

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"