تثبت التطورات الأخيرة في منطقة الكاريبي أن لغة التصعيد المتزايد والتلويح المباشر بالخيار العسكري لا تزال الأداة الحاضرة لدى الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملفات الدولية المعقدة، فبينما لم تكد تهدأ جبهات الصراع في مناطق أخرى من العالم، يطرح الرئيس دونالد ترامب معادلة جديدة، متعهداً بإرسال حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» لترسو بمحاذاة الشواطئ الكوبية، في خطوة سياسية وعسكرية واضحة تعكس رغبة واشنطن في فرض شروطها على هافانا، وإعادة صياغة واقع الجزيرة الكاريبية عبر انتهاج سياسة حافة الهاوية كأداة تفاوضية ضاغطة.
هذا التحرك العسكري يتماشى بدقة مع خناق اقتصادي أحكمته الإدارة الأمريكية عبر حزمة عقوبات نوعية وواسعة النطاق، تستهدف بشكل مباشر الشرايين الحيوية للاقتصاد الكوبي المنهك، من قطاعات الطاقة والتعدين والمعادن، وصولاً إلى المصارف الأجنبية والكيانات التي تتعامل مع الجزيرة المحاصرة.
ولم تتوقف الضغوط التي يقودها ترامب عند حدود الاقتصاد والتجارة فحسب، بل تجاوزتها إلى أبعاد أخرى غير مسبوقة، تمثلت في إعادة فتح ملفات الماضي وتوجيه اتهامات بالقتل للزعيم الكوبي التاريخي راؤول كاسترو، في خطوة ترى فيها هافانا تمهيداً لشرعنة وتبرير أي تدابير عسكرية أو سياسية حاسمة قد تتخذ في المستقبل لإسقاط النظام الحاكم هناك.
في المقابل، تجد كوبا، نفسها اليوم واقعة بين مطرقة الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة التي شلت معظم مظاهر الحياة اليومية نتيجة الشح الحاد في إمدادات الوقود وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وسندان الضغوط الأمريكية المتواصلة، ومع ذلك، اختارت الحكومة الكوبية الرد الفوري عبر استدعاء الإرث الثوري والتعبئة الشعبية الحاشدة في الشوارع والميادين، في محاولة لإظهار التماسك الداخلي والالتفاف الوطني حول القيادة، متزامناً ذلك مع مناشدات دبلوماسية عاجلة وجهها وزير الخارجية برونو رودريغيز لمجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي بأسره للتدخل السريع ومنع كارثة إنسانية يفرضها حصار الطاقة الأمريكي.
ما تشهده العلاقات الأمريكية الكوبية اليوم من تدهور سريع يضع المنطقة بأكملها أمام منعطف حرج، فرغم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي حاول فيها إبداء مرونة بالإشارة إلى أن البيت الأبيض يفضل «الحل الدبلوماسي» ومستعد للحوار من أجل مصلحة الشعب الكوبي، فإن الشواهد والوقائع الحقيقية على الأرض -من مراقبة جوية مكثفة، وتوجيه اتهامات لراؤول كاسترو، وتسريب تقارير استخباراتية تزعم وجود مسيرات كوبية ومستشارين عسكريين أجانب في هافانا- تشير بوضوح إلى أن خيار التصادم والمواجهة يتقدم في أروقة صناعة القرار بواشنطن، تماشياً مع استراتيجية ترامب القائمة على حشر الخصوم في الزاوية للحصول على تنازلات كاملة.
لذلك، فإن من شأن أي تصعيد عسكري أن يضيف وقوداً على العالم المشتعل أساساً، وإن خيار خفض التصعيد والجلوس إلى طاولة مفاوضات يبقى هو الخيار الأسلم، لأن عكس ذلك يعني ارتفاع صوت المدافع والذي لا يضمن دخول أطراف أخرى للصراع، كروسيا والصين الحليفتين لكوبا.
