الشارقة: الخليج
أن يستمر كتاب، هو عبارة عن مخطوطة بكتابات ملغزة وسيريالية، ورسومات أكثر غرابة، إلى اليوم، يدهش القراء، ويدفعهم إلى قراءته، وهم على وعي تام بصعوبة فك ألغازه، فهذا من أكثر المسائل التي يمكن التوقف عندها، الكتاب بعنوان «مخطوطة سيرافيني» لمؤلفه الفنان والمصمم والمهندس المعماري الإيطالي لويجي سيرافيني، الذي ولد في العاصمة روما سنة 1949، وقد أصدر كتابه هذا سنة 1981، وكان يبلغ من العمر 32 عاما، واستغرق تأليفه نحو ثلاث سنوات.
وصف (الكتاب - المخطوطة) بأنه الأغرب والأكثر غموضاً على مر التاريخ، وما بات مؤكداً بشأن هذا الكتاب، هو الشعبية الهائلة التي تحيط به، رغم أن القراء يجاهرون بأنهم لم يفهموا منه شيئاً حتى اليوم، وأكثر من ذلك فقد عجز العلماء وفقهاء اللغة والفنون عن فك رموزه نصّه، أو رسوماته، وقد أمضوا سنوات عدة في ذلك من دون أن تتكلل جهودهم بالنجاح، ما يؤكد أن الكتاب قام مؤلفه بإنجازه بلغة لم يكتبها قبله أي إنسان.
وتزداد حيرة القراء تجاه هذه المخطوطة، وهم يقتنعون يوماً بعد يوم، بأنها لا تطرح مشكلة بعينها، وأكثر من ذلك، فهم لا يستطيعون الإحاطة بموضوع، أو مشكلة، أو فكرة محددة حاول الكتاب معالجتها، أما بشأن الرسومات، فحدّث ولا حرج، فهي أيضاً غارقة في السيريالية، وبعيدة كل البعد حتى عن فهم أهل الاختصاص من الفنانين والنقاد، ورغم ذلك، فأنت حين تعثر على هذا الكتاب، تشعر بسحر خاص لا يشبه غيره من الكتب، فلا لغته مألوفه، ولا رسوماته يمكن حل شيفرتها، ومع ذلك تشعر بالمتعة وأنت تتجول بين صفحاته ورسوماته، كأنك تحلّق في عوالم قديمه تعود لعهود خلت، رغم حداثة الكتاب الذي «يخبئ بين صفحاته عالماً خيالياً مثيراً للإعجاب».
وما يزيد من الدهشة والحيرة كذلك، أن الكتاب يباع بسعر مرتفع، فقد بلغ سعر النسخة الورقية الواحدة منه 2000 دولار، ومع ازدياد شعبيته وارتفاع الطلب عليه تمت طباعته من جديد، بسعر أقل قدر بنحو 125 دولاراً فقط، ليصبح في متناول عدد أكبر من القراء وعشاق الفنون المتهافتين على اقتنائه.
كتبت «مخطوطة سيرافيني» بأبجدية مخترعة بالكامل من عقل مؤلفها، وهي أبجدية لا يمكن قراءتها، ولا حتى فهم معانيها، وهو مكون 360 صفحة، وأحد عشر فصلاً، كل فصل يصور جانباً من جوانب الحياة في عالم سيرافيني الخرافي الخيالي الذي ابتكره.
وخصص المؤلف الفصل الأول للحديث عن عالم النباتات، وهي نباتات غريبة عن إدراكنا، أما الفصل الثاني فتناول مجموعات من الحيوانات التي ليس لها وجود على كوكبنا، وهكذا بالنسبة إلى الفصل الثالث والمخلوقات ثنائية القدمين، وجاء الفصلان الرابع والخامس، ليبحثا في الفيزياء والاختراعات ذات الأشكال الهندسية المعقدة لجهة وظائفها غير المعروفة، وهكذا بالنسبة إلى بقية الفصول في علم الأحياء وتشريح الجسم البشري بغرابة غير مألوفة.
الفصل الثامن من الكتاب يدور حول الكتابة وأدواتها وأساليبها، والتاسع حول المأكولات، أما العاشر فيشرح الألعاب وطرق الترفيه في عوالم لم نألفها من قبل.
وقام لويجي سيرافيني نفسه، بتصميم رسومات مخطوطته بقلم ملون، وبعض هذه الرسومات تثير فينا مشاعر الرهبة والخوف، وإلى جانبها نصوص تشرح ماهيتها وما ترمز إليه.
هو إذن، كتاب لغز بمعنى الكلمة من الغلاف إلى آخر صفحة فيه، حيث سبق وصرح لويجي لإحدى المجلات المحلية، بأنه أراد بنشره لهذه الرسومات والأشكال الوصول بكتابه إلى أكبر عدد من الجماهير، والخروج من الدائرة المغلقة الضيقة للفن والشكل التقليدي للمعارض الفنية، وقال حينذاك: «إنك في الكتاب ترى ما تريد أن تراه، ربما تعتقد انه يحدثك ولكن هذا مجرد خيال».