د. محمد أبو فراج*
لا تزال شكوك قوية تحيط بإمكانية انتقال السلطة سلمياً إلى الحكومة الليبية الجديدة برئاسة فتحي الباشاغا، بسبب تشبث رئيس الحكومة المقالة عبد الحميد الدبيبة بالاستمرار في الحكم، وإصراره على اللجوء إلى شتى الأساليب غير المشروعة في محاولة لفرض موقفه، فبعد فشل الدبيبة في منع اكتمال النصاب اللازم لاجتماع البرلمان لمنح الثقة لحكومة الباشاغا، سواء بالترهيب أو بالرشوة، لجأ لاتهام رئاسة البرلمان بالتزوير في إجراءات التصويت.
تم إغلاق المجال الجوي الليبي لمنع الوزراء المكلفين من الطيران إلى طبرق لحضور جلسة أداء اليمين، ووجه أمر للميليشيات التابعة للدبيبة باحتجاز وزيرين بالقوة، لمنعهما من السفر براً إلى طبرق.
وترافق مع ذلك كله حشد واسع للميليشيات الموالية للدبيبة ولجماعة «الإخوان» في طرابلس، وحول المقرات الحكومية. وأشارت تقارير إعلامية متواترة إلى صرف حكومة الدبيبة (250 مليون دينار) لرواتب الميليشيات والمرتزقة، لضمان تأييدهم، والقيام بمنع الحكومة الجديدة من الاقتراب من هذه المقرات، في تأكيد جديد للجوء إلى العنف لمنع تسليم السلطة. علماً بأن مرتبات ضباط وجنود الجيش الليبي إلى جانب موظفي العديد من أجهزة الدولة متأخرة لأشهر عدة.
قوة القانون.. وقانون القوة
وفي المقابل يبدي رئيس الحكومة الجديدة فتحي الباشاغا قدراً كبيراً من ضبط النفس، ويصرّح بأن الدبيبة «شخص مدني محترم» وبأنه سيسلم السلطة طوعاً، وأن الأمر لن يصل إلى حد الصدام المسلح من أجل استلام السلطة. كما صرّح الباشاغا في كلمة متلفزة له مساء الثلاثاء 8 مارس/ آذار أنه يتعهد بدخول الحكومة طرابلس، واستلام السلطة «خلال يومين.. وبقوة القانون، وليس بقانون القوة».. مع أن الشواهد تشير إلى إصرار الدبيبة على الاستمرار في حشد الميليشيات المسلحة في طرابلس، وزيارته لمعسكرات الميليشيات واستعراضه لقواتها برفقة عبد الغني الككلي (غنيوة) قائد هذه التشكيلات المسلحة.
ومعروف أنه قد فشلت جهود مكثفة قام بها وجهاء مدينة مصراتة التي ينتمي إليها الباشاغا والدبيبة في الوساطة بين الرجلين، ودعوتهما للاجتماع بالرئيس التركي أردوغان في أنقرة، وجوهر هذه المبادرة هو تسليم الدبيبة للسلطة والمقرات الحكومية، مقابل تعهد الباشاغا بعدم ملاحقته في أية ملفات قانونية أو غير قانونية - وهي كثيرة - إلا أن الدبيبة رفض المبادرة، بينما قبلها الباشاغا.
لكن خلاصة هذا كله أن اطمئنان الباشاغا إلى أن حكومته ستستلم السلطة خلال يومين ب«قوة القانون.. وليس بقانون القوة» يبدو أنه نوع من المبالغة في التفاؤل، أو ربما هو من قبيل الحرص على ضبط النفس، وترك الدبيبة يمعن في أخطائه، لكشفه بصورة أكبر أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي؛ بحيث يصبح استخدام القوة ضده مبرراً في حالة استمراره في التشبث بموقفه حتى النهاية، علماً بأن الباشاغا وجه تهديداً مبطناً إلى الدبيبة بقوله: إن اللجوء إلى العنف «وبدء الحرب.. أمر سهل دائماً، لكن الصعوبة تكمن في إنهائها». ومعروف أن الباشاغا لديه قوة ميليشيات منظمة وحسنة التدريب والتسليح، كما أنه يستند الآن إلى قوة الجيش الوطني الليبي، وهي القوة العسكرية الأكبر في البلاد، لكن اللجوء إلى استخدام القوة، وخاصة في طرابلس، يبدو اختياراً تحيط به محاذير كثيرة، أهمها الرفض الدولي.
لهذا رأينا الباشاغا يقوم بزيارة إلى سرت، ومعه عدد من وزرائه، فيما يبدو إشارة للاستعداد لبدء عمل الحكومة من سرت، وعدم التعجيل في الاتجاه نحو الحل العسكري المحفوف بمخاطر كثيرة، مع مواصلة الضغط على الدبيبة بوسائل أخرى في الوقت الراهن على الأقل.
مبادرات ستيفاني ويليامز
هنا لا بد أن نلاحظ أن جهود البعثة الأممية برئاسة الدبلوماسية الأمريكية ستيفاني ويليامز «مستشارة أمين عام الأمم المتحدة» لا تخفي إطلاقاً ميلها الواضح لاستمرار حكومة الدبيبة، وقد عبّرت علناً عن انتقادها لجلسة البرلمان للتصويت بالثقة في حكومة الباشاغا، بقولها: إن الجلسة: «لم تتوافر في إدارتها معايير الشفافية المطلوبة» في انحياز مكشوف لاتهامات الدبيبة للبرلمان، وهو الموقف الذي تبناه كل من ستيفاني روجاريك مساعد الأمين العام؛ بل والأمين العام جوتيريس نفسه، مع الدعوة للتركيز على إجراء الانتخابات بأسرع ما يمكن، فيما يبدو دعماً لخطة الدبيبة لرفض «خريطة الطريق» البرلمانية، وإجراء الانتخابات في يونيو/ حزيران المقبل، بغض النظر عن اكتمال شروطها.
ويبدو كل هذا مثيراً للتساؤل خصوصاً الحديث عن «الشفافية» من دون كلمة واحدة من جانب ستيفاني عن فضيحة محاولة الدبيبة لرشوة النواب «بسيارات ليكزيس» وإرهابهم والاعتداء عليهم، لمنعهم من حضور جلسة البرلمان، وأيضاً من دون ذكر كلمة واحدة عن محاولات الدبيبة لرشوة أعضاء «ملتقى الحوار» - «لجنة ال75» لانتخابه رئيساً للحكومة المثبتة بالصوت والصورة والتي وعدت ويليامز وقتها بالتحقيق فيها، ثم تجاهلت القضية برمتها.
وقد تقدمت ستيفاني، مؤخراً، بمبادرة لرئيس البرلمان عقيلة صالح بتشكيل لجنة مشتركة من البرلمان و«مجلس الدولة» بقيادة المشري تتكون من (12 عضواً – 6 من كل من المجلسين) لوضع قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات مع تجاهل «خريطة الطريق» البرلمانية، وهو ما رفضه عقيلة صالح معلناً أن «الحل يجب أن يكون ليبياً».. وضرورة الاعتراف بالحكومة الشرعية «حكومة الباشاغا» وهو ما ترفضه ستيفاني. ويوضح كل هذا أن ما تسعى إليه ستيفاني هو تنفيذ سياسة أمريكية، وليس أممية.. وأن أكثر ما يهمها هو الاستقرار - بغض النظر عن الشرعية - واستمرار تدفق النفط والغاز الليبيين إلى الأسواق الأوروبية لتقليل اعتمادها على الغاز والنفط الروسيين في ظل المواجهة الجارية الآن في أوكرانيا.. وهو موقف مواتٍ تماماً للدبيبة.. ويشجعه على التشبث بالسلطة.
وهكذا تظل كل السيناريوهات مفتوحة في الأزمة الليبية التي تتجه إلى مزيد من التعقيد.
* كاتب مصري