في عام 1950 أعد هنري ميللر قائمة بمئة كتاب من الكتب التي اعتبرها الأكثر تأثيراً في حياته، وكتب مجلداً في 300 صفحة، عنوانه «الكتب في حياتي» وسجل ملاحظة تقول إن هذا الكتاب سيتطور إلى مجلدات عديدة في خضم السنوات اللاحقة، لكن الكتاب ظل يطبع في حجمه الأصلي دون أي إضافات.
عندما بدأ كولن ويلسون في إعداد قائمته هو الآخر، لأكثر الكتب تأثيراً في حياته، توقع في البدء أن تكون في حدود عشرين كتاباً، وبعد ما انطلق في وضع القائمة الأولية رأى نفسه يدون خمسين كتاباً، وهذا يعني أن صفحات ما سيكتبه عن قراءاته ستصل إلى ما يزيد على ألف صفحة، يقول: «بعد كل هذا كم كان ينبغي أن أمارس من جهد وانضباط، لكي أقلل عدد العناوين، بغية جعل الكتاب في حجم مقبول، وقابل للتداول السهل».
كانت الروائية العراقية لطفية الدليمي قد ترجمت السيرة الذاتية لويلسون بعنوان «حلم غاية ما» وقد أوضحت تلك السيرة حجم الثراء المعرفي الذي يحتكم إليه الكاتب الكبير، ويعود ذلك الثراء إلى قراءاته المتعددة وعشقه للكتاب، وهو لما يزل يافعاً، وتزخر السيرة الذاتية بعناوين كثيرة لكتب أشار إليها في ثنايا حديثه عن وقائع حياتية خاصة به، وقد كتب كثيرون عن الكتب في حياتهم، ومنهم ويلسون وترجم هذا الكتاب إلى العربية حسين شوفي وقدمت له الدليمي.
يحكي ويلسون في هذا الكتاب «الكتب في حياتي» عن الأعمال التي شكلت بناءه الذهني وتوجهاته الفلسفية منذ أن كان صبياً، فقد حوى منزله ما يزيد على الثلاثين ألف مجلد، وقد سرد في الفصل الافتتاحي حكاية بداية عشقه للكتاب، وتجميع الكتب حتى فاضت جدران منزله بها، وصارت «مصدات للشمس» على حد تعبير زوجته.
عانى ويلسون حيرة عظيمة بشأن الكتب التي يبتغي الحديث عنها في كتابه هذا، لكنه اختار في النهاية نخبة من الكتب التي تشكل توليفة متباينة رمى من ورائها إلى جعل القارئ يدرك الطيف الواسع من التخوم المتباينة التي يمكن أن يلامسها القارئ، وهكذا تقرأ في كتاب ويلسون عن جيمس جويس أو برنارد شو أو دستويفسكي أو سارتر أو هيمنجواي كما نقرأ عن شخصيات مؤثرة تم تجاهلها بطريقة محزنة.
من الطبيعي أن يكون خيار ويلسون للكتاب والموضوعات في كتابه هذا مؤسساً على ذائقته الشخصية بالكامل، ولا يمكن أن يخفى على القارئ المدقق نشوة ويلسون وشغفه في تفنيد النزوع السلبي المقترن بالعبثية والعدمية غير المنتجتين واللتين صارتا السمتين الملازمتين لعقود عدة في القرن العشرين، ولم يدخر ويلسون جهداً في توضيح أساس هذه النزعة السلبية التي نمت جذورها في الفكر الوجودي الوارث لتقاليد الرومانتيكية الأوروبية في القرن التاسع عشر.
يعرف القراء أن قراءة الكتاب تنطوي على خصال ممتعة تبعث البهجة في القلب، ولعل واحدة من أهم هذه الخصال أن قراءة الكتاب تقود إلى المزيد من القراءة والتنقيب في كتب أخرى فيما يشبه المتسلسلة اللانهائية، وهذا هو ما أراد ويلسون التأكيد عليه بوضوح وبخاصة في الفصل الخاص بشرلوك هولمز، حيث يصرح ويلسون أن بحثه عن الكتب بعد قراءته لكتاب محدد باتت تشبه وسائل هولمز في الكشف عن الأحجيات.
حقق كولن ويلسون مبيعات كبيرة في حياته، ونشأ وسط عائلة تنتمي إلى بيئة عمالية، ولم يتيسر له سوى القليل للغاية من التعليم الرسمي، غير أنه ومنذ أن كان طفلاً يافعاً جنح نحو الكلمة المطبوعة التي رأى فيها معيناً لن يخذله في استكشاف الأسئلة الإشكالية اللامحدودة التي تجود بها الحياة.
في هذا الكتاب يعاود ويلسون مراجعة الكتب التي مثلت تحدياً له وساعدته على تشكيل حياته ورؤاه، فيبتدئ بالروايات الأساسية التي قرأها بنهم في صباه، ثم يعرج على مارك توين وآرثر كونان دويل، وبعدها يبلغ نيتشه وجويس وسارتر وشو، ويمكننا أن نلمح منذ البدء أن ويلسون قد حمل مبكراً عبء قراءة الأعمال التي ترمي لتأكيد قدرة المرء على التأثير الإيجابي في حياته وحياة العالم.