الفلسفة عند معظم الناس لا تعني شيئاً، ما لم تؤثر فيهم بصفة شخصية، وحتى عهد قريب جداً لم يكن للفلسفة أهمية في الحياة اليومية أكثر مما للكيمياء القديمة أو الفيزياء الفلكية، غير أن هذا كله آخذ في التغيير، ففي الربع الأخير من القرن العشرين جعلت الفلسفة تؤثر في عدد أكبر من الناس تأثيراً شخصياً على نحو غير مسبوق، ذلك لأن الفلسفة عادت تستخدم مرة أخرى في تخفيف الشقاء البشري، وقد نشأت نهضتها العلاجية في أوروبا في الثمانينات من القرن العشرين وأطلق عليها أولاً اسم «الممارسة الفلسفية» ثم غلب عليها اليوم اسم «الاستشارة الفلسفية»، وهي آخذة في الانتشار السريع إلى كل أمة كبرى على الأرض.
ورغم أن عمر الممارسة الفلسفية يقترب من العقدين من الزمان لا تزال تعاني فيما يبدو غياب الهوية، ورغم العدد المتزايد من المقالات التي تظهر حديثاً في شتى المجلات والكتب العديدة التي صدرت في هذا الموضوع، فليس ثمة إجماع حول ما يشكل منهج الاستشارة الفلسفية، أو ما أهدافه ومقاصده إن وجد منهج على الإطلاق؟، وما صنف المهارات الواجب توافرها في المستشار الفلسفي؟، وكيف تختلف عن الصور الأخرى من الاستشارة والعلاج؟ بيتر. ب. رابه في كتابه «الاستشارة الفلسفية النظرية والتطبيق» من ترجمة عادل مصطفى، يشير إلى أن بعض الاستشاريين الفلسفيين، حاولوا أن يعرفوا مهنتهم بأن يميزوا بينها وبين العلاج النفسي، وفي سبيل ذلك بالغوا في إظهار ما يرونه اختلافات عن العلاج النفسي.
الاستشارة الفلسفية ليست شيئاً جديداً تماماً، بل كثيراً ما توصف بأنها عودة القديمة لممارسة الفلسفة إلى الجذور، أو «صيغة جديدة لتقليد قديم»، تنص الرابطة الأمريكية للفلسفة والاستشارة والعلاج النفسي في مقدمة «معايير الممارسة الأخلاقية» الخاصة بها على أن ممارسة تقديم العون الفلسفي للآخرين هو قديم قدم سقراط على الأقل الذي قام في القرن الخامس قبل الميلاد بهذه الممارسة الفلسفية.
يقول مؤسس الاستشارة الفلسفية الحديثة جيرد اكنباك إن هذه الاستشارة ليس لها ما قد يعد منهجاً محدداً، وما ينبغي لها ذلك، ويرى أن مصلحة المهنة أن تدع النظرية غير محددة، وأن تدع الممارسة مفتوحة لجميع التأويلات، لكن هناك وجهة نظر تقول إننا إذا سلمنا بهذا فإن المهنة ستبدو غامضة وقد يؤدي مثل هذا الغموض إلى عاقبة وخيمة، بمنح ترخيص للاستشاريين الفلسفيين بأن يفعلوا ما يشاؤون.