الشارقة: علاء الدين محمود
أسباب كثيرة ومتنوعة هي التي تجعل الكاتب يلجأ إلى استخدام اسم مستعار، منها العوامل الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، ما يضطر الكتّاب إلى حجب أسمائهم والاستعاضة عنها بكنية أو لقب، وكذلك فإن بعض النساء من الكاتبات اعتدن على استخدام أسماء مستعارة، وهناك من يكتب تحت اسم غير حقيقي بدوافع الخوف من النقد أو عدم النجاح والشهرة، غير أن العديد من هؤلاء حققوا نجاحاً كبيراً وعرفوا بأسمائهم المستعارة، والتي تحولت إلى حبر سري صنع شهرتهم.
كان العديد من الأدباء قد استخدم أسماءً مستعارة نسبة للأسباب التي ذكرناها، وهناك من اختار أن يكتب بعدد من الأسماء، كل اسم يمثل شخصية تتناسب مع الحالة الوجدانية والفكرية المعينة، على نحو ما فعل الشاعر والفيلسوف البرتغالي فرناندو بيسوا «1888 1935»، الذي يعتبر، في نظر النقاد، من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وكان بيسوا كاتباً غزير الإنتاج، لكنه لم يكن يكتب باسمه فقط، فقد استخدم ما يقرب من خمسة وسبعين اسماً، من بينهم ثلاثة من البارزين، مثل: ألبيرتو كاييرو، ألفارو دي كامبوس، وريكاردو ريس، وكان بيسوا يردد دائماً أن تلك الشخصيات التي صنعها مستقلة تماماً، فهي ليست أسماء مستعارة له، مبرراً ذلك بأنها تملك أراء مختلفة، وبالفعل فإن بعض تلك الشخوص التي رسمها كانت تحمل آراءً متطرفة غير التي عرفها الناس عن بيسوا، لذلك فضل أن يصفها بالأسماء غير المتجانسة بدلاً عن المستعارة.
حوارية
وعلى ذات طريقة بيسوا، كتب الفيلسوف الدنماركي الوجودي الأبرز والشاعر سورين كيركجور «1813 1855»، أولى أعماله تحت أسماء متعددة غير حقيقية، ولجأ إلى تلك الطريقة من أجل تقديم وجهات نظر متباينة ومختلفة يحملها كل واحد من تلك الشخصيات المتخيلة في سياق عملية تفاعلية بينها في حوار فلسفي فكري معقد.
كان كيركجور يلعب لعبة فلسفية شديدة الغرابة، فقد كان يطرح المشكلة المعينة، ثم يختلق شخصيات متعددة، بحيث يقوم كل واحد منها بطرح وجهة نظر ورؤية حولها مختلفة عن الآخر، فتتكون عدة آراء حول القضية المعينة.
تسكع
لم يكن جورج أورويل، هو الاسم المستعار الوحيد للكاتب والصحفي الإنجليزي الشهير إريك آرثر بلير «1903 1950»، فقد كان يمتلك عدداً من الأسماء الأخرى، لكن صاحب «مزرعة الحيوان»، اشتهر باسم أورويل لدرجة أن غالبية القراء حول العالم لا يعرفون شيئاً عن اسمه الحقيقي.
استخدم بلير اسم «جورج أورويل» عندما شرع في أثناء إعداد كتابه «متشرداً في باريس ولندن»، الذي نشر عام 1933، فقد أعرب حينها عن رغبته في نشر ذلك العمل باسم مختلف، وذلك لتجنب أي حرج لأسرته، لأنه أراد أن يقضي وقته أثناء كتابة الرواية متسكعاً، بل وأخبر أحد أصدقائه في رسالة بعثها عام 1932، أن بعض الأسماء المستعارة مثل «بروتون»، و«مايلز»، و«كينيث»، و«اتش لويس الويس»، و«جورج أورويل»، إنما يقوم باستخدامها أثناء التسكع في المدن المختلفة حول العالم.
لكن ربما أن طبيعة كتابات أورويل الأولى، هي التي دفعته إلى الكتابة تحت أسماء مستعارة، فقد كان حينها يحمل تصورات أيديولوجية حول العدالة الاجتماعية، وإيماناً بالاشتراكية والديموقراطية، والملاحظ أن أورويل كان يطلق أسماءً مستعارة حتى على الحالات الاجتماعية أو السياسية، فقد كان يسمي النظام الشمولي ب«الأخ الأكبر».
سلطة مجتمع
عاشت الأخوات برونتي في العصر الفيكتوري في إنجلترا، وقد سادت في ذلك الوقت التقاليد الاجتماعية المحافظة، لذلك اختارت كل واحدة من الأخوات أن تكتب تحت اسم ذكوري مستعار.
وقد ذكرت شارلوت برونتي أنهن استخدمن تلك الأسماء المستعارة رغبة منهن في الكتابة خلف أسماء ذكورية، وذلك حتى لا يتعامل النقاد والقراء مع أدبهن باعتباره ينبع من طريقة تفكير أنثوية، حتى لا يتم النظر إليها بشكل من الاستعلاء، وهو الأمر الذي كان سائداً في ذلك الوقت تجاه المرأة، وأوضحت شارلوت أن بعض النقاد إذا عرفوا أن تلك الكتابات صادرة من نساء، فهم إما سيتناولونها بطريقة فيها هجوم ضدهن كنوع من العقاب، وإما مدح على سبيل الغزل، وذلك ليس نقداً حقيقياً، وبعد وفاة شقيقتيها، بقيت إميلي وحيدة، وكانت روايتها «جين اير»، قد بدأت في تحقيق نجاح كبير، فأقنعها الناشر بأن تكتب باسمها الحقيقي.
اختلاف
الكاتبة الإنجليزية الشهيرة أجاثا كريستي «1890 1976»، صاحبة الروايات البوليسية، كتبت تحت اسم «ماري ويستماكوت»، وعرفت كذلك ب«السيدة مالوان»، وقد أشارت إلى أنها استخدمت ذلك الاسم الحركي، لأنها أرادت أن تكتب نوعاً مختلفاً من الأدب وتستهدف شريحة مختلفة من القراء، ونجحت أجاثا في إخفاء هويتها بالاسم المستعار لمدة عشرين سنة كتبت خلالها 6 روايات رومانسية وبوليسية.
غزارة إنتاج
المؤلف الأمريكي ستيفن كينج المولود عام 1974، وهو من أشهر كتاب أدب الرعب، وصاحب الروايات الأعلى مبيعاً، كان واحداً من أكثر الكتاب غزارة في الإنتاج، فهو يكتب يوميًا وبلا استثناء سواء في الإجازات أو الأعياد، وفي إحدى الفترات كانت تصدر له ثلاثة أو أربعة كتب سنوياً، فنصحه ناشروه بأن يتمهل في النشر بمعدل كتاب واحد سنوياً حتى لا يتشبع السوق باسم «كينج».
لم يستطع كينج أن يتخلى عن طريقته في إنتاج الروايات بغزارة، لذلك لجأ إلى الكتابة تحت اسم مستعار وهو «ريتشارد باكمان»، لكي يتمكن من نشر أعماله.