يعد صندوق النقد الدولي من المؤسسات العالمية الأكثر شهرة على مستوى العالم، فالبعض يراه باعتباره المنقذ خلال فترات الأزمات والبعض يرتبط اسمه في أذهانهم بمخاوف ارتفاع الأعباء والضغوط المالية على الأسر في ظل البرامج الإصلاحية المرتبطة دوماً بقروضه للدول المحتاجة والتي غالباً ما تتضمن رفع الدعم على السلع الاستهلاكية وغير ذلك من الالتزامات التي يهدف الصندوق من خلالها إلى ضمان الإدارة المالية السليمة لمبالغ الدعم والقروض، التي يوفرها لهذه الدول.
فكيف كانت نشأة الصندوق؟ وما هي أهدافه الأساسية؟ وكيف تطور دوره على مر الأعوام؟ تبلورت فكرة إنشاء صندوق النقد الدولي أثناء مؤتمر عقدته الأمم المتحدة في يوليو 1944 في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية.
وكانت البلدان ال44 الحاضرة في المؤتمر تسعى إلى وضع إطار للتعاون الاقتصادي الدولي يتجنب تكرار التخفيضات التنافسية لأسعار العملات، التي أسهمت في حدوث الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي. وتتمثل رسالة الصندوق الأساسية في ضمان استقرار النظام النقدي الدولي -أي نظام أسعار الصرف والمدفوعات الدولية الذي يمَكِّن البلدان ومواطنيها من إجراء المعاملات فيما بينها.
ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديره أعضاؤه الذين يشملون جميع بلدان العالم تقريباً بعددهم البالغ 190 بلداً. وجرى العرف أن يرأسه فرنسي.
مهام أساسية
يتابع الصندوق سياسات البلدان الأعضاء والتطورات الاقتصادية والمالية على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية من خلال نظام رسمي يعرف باسم الرقابة. ويقدم الصندوق المشورة والدعم الفني لبلدانه الأعضاء ويشجع اعتماد سياسات تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحد من التعرض للأزمات الاقتصادية والمالية وترفع مستويات المعيشة.
إحدى مسؤوليات الصندوق الرئيسية هي تقديم القروض لبلدانه الأعضاء، التي تمر بمشكلات فعلية أو محتملة في ميزان المدفوعات. وتصمم السلطات في كل بلد برامج وطنية للتصحيح الاقتصادي بالتعاون الوثيق مع الصندوق وبدعم تمويلي منه، على أن يرتهن استمرار هذا الدعم بمدى فاعلية تنفيذ التعديلات المقررة.
استجابة لجائحة «كوفيد- 19»، أجرى الصندوق زيادة مؤقتة في حدود الاستفادة من موارده بموجب أدوات التمويل الطارئ والحد السنوي المقرر لحجم الاستفادة الكلي من موارد الصندوق التي تقدم بشروط عادية. كذلك أنشأ الصندوق «خط السيولة قصيرة الأجل» (SLL) لتقديم تمويل احتياطي للبلدان الأعضاء التي تتسم بسياسات وأساسيات اقتصادية بالغة القوة.
حقوق السحب الخاصة
يصدر الصندوق أصلاً احتياطياً دولياً يعرف باسم حقوق السحب الخاصة، أو اختصاراً SDR، ويمكن استخدامه كعنصر مكمل للاحتياطيات الرسمية الخاصة بالبلدان الأعضاء. ويجب أن تكون عمليات التوزيع العامة لمخصصات حقوق السحب الخاصة متسقة مع هدف تلبية الاحتياج العالمي طويل الأجل للأصول الاحتياطية وتتطلب موافقة مجلس المحافظين بأغلبية 85% من مجموع القوة التصويتية. وبمجرد الاتفاق عليها، يتم توزيع هذه المخصصات على البلدان الأعضاء بالتناسب مع حصصها المكتتب بها في الصندوق. ويبلغ مجموع المخصصات العالمية الحالية نحو 204.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 293 مليار دولار). ويجوز للبلدان الأعضاء مبادلة حقوق السحب الخاصة فيما بينها بعملات أخرى.
موارد
تعد حصص عضوية البلدان الأعضاء المصدر الرئيسي الذي يستمد منه الصندوق موارده المالية. وتمثل حصة البلد العضو في الأساس انعكاساً للحجم الاقتصادي النسبي للبلد العضو ومركزه في الاقتصاد العالمي. ويجري الصندوق مراجعة عامة دورية للحصص. وقد اختُتمت المراجعة الرابعة عشرة في 2010 ودخلت حيز التنفيذ في 2016. وبموجبها تضاعفت موارد الصندوق المستمدة من الحصص إلى 477 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 687 مليار دولار). أما المراجعة الخامسة عشرة فقد اختُتمت عام 2020 دون زيادة في الحصص.
وإضافة إلى الموارد المستمدة من حصص العضوية، توجد موارد تكميلية تتيحها الترتيبات الائتمانية بين الصندوق ومجموعة من الأعضاء والمؤسسات. وتسمى هذه الترتيبات «الاتفاقات الجديدة للاقتراض» (NABB)، وهي تمثل أهم مصدر تمويلي مساند لحصص العضوية. وفي 16 يناير 2020، وافق المجلس التنفيذي على تعديل هذه الاتفاقات، بما في ذلك مضاعفة حجمها إلى 365 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (526 مليار دولار)، لفترة جديدة تبدأ في 2021 وتنتهي في 2025. وقد دخل هذا الإصلاح حيز التنفيذ في الأول من يناير 2021.
الجدل المستمر
يتخوف الكثيرون من الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول المقترضة، وبرامج الإصلاح المالي ببنودها الشاقة وما تفرضه من تقشف في بعض الدول ومن زيادة في الأعباء والضغوط المالية على الأسر في هذه الدول. فالصندوق يفضل دوماً رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية والمتطلبات الأساسية، لكن مع تقديم بديل مساند للأسر محدودة الدخل، فالدعم في حد ذاته يفيد الجميع حتى المقتدرين في المجتمع في حين يرى الصندوق أنه يجب أن يوجه فقط لمن هو بحاجة إليه.
ويجادل البعض بأن الصندوق عليه أن يتأكد من قدرة الدول المقترضة من موارده على سداد التزاماتها، وإن القروض لذلك يجب أن تكون مشروطة بالإصلاحات التي تكفل قدرة الدولة على إدارة مواردها وأمورها المالية بطريقة صحيحة، أو أنه سيكون هو نفسه عرضة للإفلاس في حال قدم قروضاً غير مشروطة. ويبرز هنا جدل آخر حول دور الصندوق وإن كان عليه أن يلعب دور هيئة إعانة في بعض الأحيان؛ بحيث يساند الدول الأقل دخلاً في مواجهة الأزمات، وبرز هذا الأمر بصورة أكبر خلال الجائحة، وبالفعل قدم الصندوق خلال هذه الفترة قروضاً غير مشروطة لمواجهة الأوضاع الطارئة التي فرضتها الجائحة على الدول الفقيرة.