تمثل الإحاطة بالنظرية السياسية التي صاغها الفيلسوف السياسي الأمريكي المعاصر روبرت نوزيك (1938 – 2002) مدخلاً ضرورياً للولوج إلى الفكر السياسي الغربي المعاصر، فالتعرض لفلسفة نوزيك السياسية معناه الاشتباك مع أهم وأبرز تيارات الفكر السياسي، ليس في الفترة التي يركز عليها محمد عبده أبو العلا في كتابه «سؤال الدولة والعدل الاجتماعي في الليبراليات المعاصرة»، بل في الفترة الحديثة أيضاً.

إسهامات فكرية

استوعب نوزيك جيداً الإسهامات الفكرية التي أفرزتها قريحة أشهر أعلام الفكر السياسي والاجتماعي في الفترتين، الحديثة والمعاصرة، فتأثر بأفكار ونظريات بعضهم، وأخضع أفكار ونظريات البعض الآخر لمبضع التفكيك والنقد، إلى جانب إسهاماته المهمة في فضاء الفكر السياسي المعاصر، تلك الإسهامات التي نال بها شهرة واسعة طبقت الآفاق.

وإذا كان جون رولز (1921 – 2002) صديق وزميل نوزيك في جامعة هارفارد، يمثل الجناح الأيسر لليبرالية المعاصرة، فإن روبرت نوزيك يمثل جناحها الأيمن، فمن خلال رولز ونوزيك أصبحت الفلسفة السياسية المعاصرة منفتحة على قضايا وإشكاليات جديدة تمس بشكل مباشر الواقع المعيش للإنسان المعاصر.

وفي هذا الكتاب يتعرض المؤلف لأهم تلك القضايا والإشكاليات التي تتعلق بالسؤال الرئيسي في الفلسفة السياسية: سؤال الدولة ودورها الاجتماعي، فهذا السؤال يمثل محور الفلسفة السياسية بأسرها، ويقود إلى عدد من الأسئلة المهمة الأخرى، التي تنشغل بها الفلسفة السياسية منذ نشأتها حتى الآن: سؤال الحرية، سؤال المساواة، سؤال العدل، سؤال السلطة (لسيادة)، سؤال الشرعية، وسؤال الديمقراطية.

مقارنة منهجية

ويمثل هذا الكتاب مقاربة منهجية لأهم وأحدث النظريات السياسية والاقتصادية في الفكر السياسي والاقتصادي المعاصر، ويرتبط اسم نوزيك ارتباطاً وثيقاً باتجاه معاصر بات يعرف في الفلسفة السياسية اليوم ب«الليبرتارية» التي لم تصبح مذهباً أو اتجاهاً فلسفياً له ملامحه المحددة إلا على يده، حيث بسّط وأّصل المبادئ الأساسية لليبرتارية في كتابه الشهير «الفوضوية والدولة واليوتوبيا» الصادر عام 1974.

ولم يضطلع نوزيك بمهمة الصياغة النهائية لليبرتارية ومحاولة تأصيلها، فلسفياً واخلاقياً، بمعزل عن أهم الأفكار والمذاهب الفلسفية الكبرى، سواء المعاصرة منها، أو الحديثة، ففضلاً عن استفادته في بلورة الليبرتارية من بعض الأفكار الفلسفية ذات الشهرة الواسعة، مثل فكرة «امتلاك الإنسان لذاته» عند لوك، وفكرة «الاستقلال الذاتي» عند كانط، وفكرة «النظام التلقائي للأفعال الإنسانية» عند هايك، كانت الليبرتارية في الأساس محاولة فلسفية لدحض اثنتين من أهم وأشهر نظريات الفلسفة السياسية المعاصرة: الأولى هي الفوضوية الفردية، وبوجه خاص الفوضوية الرأسمالية، والثانية هي الليبرالية الاجتماعية، كما تمثلت في نظرية «العدل كإنصاف».

وفي ضوء هذه النزعة تعرض نوزيك أيضاً بالتحليل والنقد لكل من «النفعية التقليدية» و«الماركسية» محاولاً دحض المقولات المركزية التي تنبني عليها كل منهما، فمن وجهة نظر الليبرتارية التي تؤكد على النزعة الفردية المتطرفة، تعد جميع الاتجاهات السياسية والاقتصادية ذات المنحى النفعي أو الاجتماعي غير مشروعة من الناحية الأخلاقية، لأنها تضرب باستقلال الأشخاص وحقوقهم المطلقة عرض الحائط.

دراسة شاملة

ويمثل هذا الكتاب أول دراسة شاملة باللغة العربية تغطي فلسفة روبرت نوزيك السياسية، وما طرأ عليها من تطورات أو تعديلات عبر مجمل كتبه، من دون الوقوف عند كتاب «الفوضوية والدولة واليوتوبيا» وحسب، فنوزيك في كل كتاب من كتبه يمضي قدماً إلى فضاءات وأفكار أوسع، نجد لها انعكاسات واضحة على فلسفته السياسية.

بوجه عام – كما يقول أبو العلا – تغيرت نظرة نوزيك للفلسفة في كتبه اللاحقة لكتابه «الفوضوية والدولة واليوتوبيا»، فالفلسفة عنده أصبحت محاولة للكشف عن الممكن، تلك المحاولة التي ينبغي أن يشترك فيها الكاتب مع القارئ سواء بسواء.