سباق نحو القاع

استعادة مناهضة العنصرية واستخلاص الدروس
00:01 صباحا
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
أظفر شافي وإلياس نجدي
* أظفر شافي باحث في قضايا الشرطة ومكافحة الإرهاب والإمبريالية، وحركات مناهضة العنصرية وعنف الدولة والنضال التحرري الفلسطيني.
** إلياس نجدي ناشط وكاتب يركز على مناهضة العنصرية والحريات المدنية والشرطة. يكتب في أبرز الصحف والمواقع الصادرة بالإنجليزية، خاصة في بريطانيا.

إن الديمقراطيات الليبرالية تفتخر بسياساتها المصممة للقضاء على العنصرية في جميع مناحي الحياة، لكن لماذا إذن تظهر العنصرية في جوانب كثيرة؟ يركز هذا العمل على الحركات المناهضة للتمييز العنصري في المملكة المتحدة، ويدعو إلى استعادة التاريخ الراديكالي للنضال ضد كافة أشكال العنصرية، والحاجة الملحة إليه في عصرنا الراهن.

يرى المؤلفان أن أي شكل من العنصرية في المملكة المتحدة لم يحدث عن طريق الصدفة، ويجدان أن الرأسمالية في جوهرها نشأت على مفهوم العنصرية، وهاجمت الحركات النضالية القوية دون رحمة أو هوادة. يعود الكتاب بالأزمة الحالية إلى عقود، إلى تفكك حركات القوة السوداء في بريطانيا واحتوائها في المنظمات غير الحكومية وحزب العمال.

 يهدف هذا الكتاب إلى وصف آليات كيفية إبطال راديكالية عصر القوة السوداء من خلال «مناهضة العنصرية من الأعلى»، ويسعى المؤلفان فيه إلى تناول المشهد السياسي والتاريخي الذي اجتازه النشطاء في الثمانينات، وكذلك اليوم، على محمل الجد. «وهذا يعني أننا نرغب في التفكير في الاحتمالات والمزالق التي يضطر النشطاء إلى التعامل معها في فترات التغيير السياسي الزلزالي»، بحسب المؤلفين.

 تنبع الأفكار والموضوعات في هذا الكتاب من تجارب المؤلفين وحواراتهما الخاصة على مر السنين، ومن المناقشات مع الأصدقاء والرفاق، ومن التحليل والتوثيق الدؤوب الذي قاما به. يركز الكتاب بشكل كبير على حركات القوة السوداء التي ضمت أفارقة وكاريبيين وجنوب آسيويين في بريطانيا، لكن هذا بالتأكيد لا يشير إلى أن هذه هي المجموعات الوحيدة المتأثرة بالعنصرية في بريطانيا، ولا المجموعات الوحيدة التي قاومتها.

 لا يسعى هذا الكتاب إلى إضفاء الطابع الرومانسي على التاريخ الذي يتحدث المؤلفان عنه أو يدعو إلى التراجع البسيط فيه؛ بل يسعى فقط إلى استخلاص الدروس التي يمكن أن يقدمها لنضالات اليوم. يقول المؤلفان: «من المؤكد أن هذا الكتاب ليس المقصود منه أن يكون الكلمة الأخيرة في عصر القوة السوداء في بريطانيا أو حالة مناهضة العنصرية، لكن نطاقه مقيد بالضرورة بحدود الكلمات والقيود الخاصة بنا كمفكرين. نأمل أن يكون هذا العمل مساهمة متواضعة في نقاش أوسع حول كيفية إعادة تصور مناهضة تحررية وتحولية ضد العنصرية ترتكز على النضال من أجل الاشتراكية».

11

 تناقضات وانقسامات سياسية

 يتحدث المؤلفان في المقدمة عن كيفية البدء بهذا العمل، يقولان: «عندما جلسنا لأول مرة لرسم الخطوط العريضة لما أصبح لاحقاً هذا الكتاب، بدت الحالة في بريطانيا رهيبة. كانت البلاد لا تزال تتأرجح من تأثير نتائج الانتخابات العامة لعام 2019، حيث غرق اليسار البريطاني في الانتقادات والضغائن، فيما عزز حزب المحافظين قبضته الحديدية على السلطة، رغم أنه بدا قريباً من الانهيار الداخلي قبل سنوات فقط. في غضون ذلك، على الرغم من مركزية العنصرية في أحداث السنوات الأخيرة في بريطانيا، فإن التنظيم المناهض للعنصرية كان مليئاً بالانقسامات والتناقضات هنا. أظهر الخطاب الشعبي حول مناهضة العنصرية افتقاراً صارخاً للعمق النظري، وغالباً ما تم اختزاله، لأنه يتعلق بسياسات «الامتياز» الضئيلة، أو المخاوف بشأن «التحيز اللاواعي» أو الادعاءات المنافسة ل«تمثيل» أفضل. كأفراد، شهدنا على خلفية الاضطرابات الجماهيرية من الأزمة المتصاعدة التي اندلعت في أعقاب انهيار 2008/2007، إلى إنعاش اليسار البريطاني الشامل؛ من تجزئة الولاءات السياسية المحلية، إلى الهجوم المضاد الشرس من قبل وسائل الإعلام والطبقة السياسية، والذي توج بصعود حكومة بوريس جونسون التاتشرية الجديدة».

 ويضيفان: «بعد التعرف إلى حد ما إلى التاريخ البريطاني الحديث، بدت تطورات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مألوفة لنا بشكل لافت للنظر. انعكس صعود وسقوط هذه القوى اليسارية و/أو الراديكالية في الفترة الممتدة من أواخر الستينات إلى أواخر السبعينات، عندما دخل خطان سياسيان متوازيان في معركة شرسة في بريطانيا. كان هذا هو الوقت الذي تصارع فيه اليسار المتجدد - جسدته حركة عمالية متشددة من «اليسار الجديد» إلى جانب ظهور حركة القوة السوداء في بريطانيا - مع النزعة الانتقامية العنصرية العميقة ل«اليمين الجديد» المستلهم من إينوك باول (سياسي وأديب إنجليزي. شغل العديد من المناصب السياسية. حقق أبرز مكانة له في عام 1968، عندما ألقى خطاباً مثيراً للجدل حول الهجرة. رداً على ذلك، أقيل من منصبه كوزير دفاع لحكومة الظل».

 يشير الكاتبان إلى أن «الإجماع السياسي بعد الحرب شهد الكثير من الانهيار. فقد تركت قوى اليسار بصماتها على التاريخ البريطاني، لكن المرارة تلطخ صفحات هذا التاريخ مع تقدمه نحو الثمانينات. ويذكران أن ثورة تاتشر محلياً - إلى جانب سحق قوى الهيمنة المضادة للكتلة الاشتراكية وحركة العالم الثالث على المسرح العالمي - كلها تمثل اللحظة التاريخية الحالية التي لا تمحى. إنها إحدى القوى التي لا تزال فيها قوى اليسار في بريطانيا في موقف دفاعي إلى حد كبير، ولا يزال مشهدها السياسي مطارداً بآثار ما بعد تخيل إينوك باول المصاب بجنون العظمة».

 مناهضة العنصرية

 لا يعتبر المؤلفان هذا الكتاب أطروحة عن الهزيمة، ولا يسعيان ببساطة إلى إعادة صياغة الحكاية البالية عن باول والتاتشرية. بدلاً من ذلك، يركزان على صراع بدأ في النضج خلال هذه الفترة نفسها، وهو الصراع الذي غالباً ما يتم استبعاده من قصة الستينات والسبعينات من القرن الماضي في بريطانيا وهو بين روحَي مناهضة العنصرية: راديكالية المنظمات المناهضة للعنصرية التي ازدهرت في عصر القوة السوداء في بريطانيا من 1967 إلى 1981، و«مناهضة العنصرية من الأعلى»، بدأت بشكل نهائي بعد الانتفاضات الحضرية لعام 1981.

يذكر المؤلفان أن التطورات التي حدثت خلال فترة كتابة هذا العمل أجبرتهما على إعادة النظر في استنتاجاتهما المبكرة وخففت من نبرة صوتيهما. فخلال هذا الوقت، اندلعت الانتفاضات الجماعية المستوحاة من «حياة السود مهمة» في جميع أنحاء العالم رداً على قتل الشرطة لجورج فلويد وبريونا تايلور، بما في ذلك أكبر مظاهرات مناهضة للعنصرية في تاريخ بريطانيا. تبع ذلك بعد عام موجة عالمية من التضامن مع الفلسطينيين في مواجهة هجوم إسرائيل الأخير. كانت أكبر مظاهرة مؤيدة لفلسطين في تاريخ بريطانيا. وأدى صعود حركة «اقتلوا مشروع القانون» ضد مشروع قانون الشرطة والجريمة والأحكام والمحاكم في مايو 2021 إلى تتبع مسار جديد محتمل لحملات العنف المناهضة للعنصرية والدولة.

 يعلقان على ذلك بالقول: «يبدو أنه انتهى الأمر بكل موجة من المظاهرات المناهضة للعنصرية وكل دفعة من الطاقات الحركية إلى صراع ضد التيارات القوية للفردية والانتهازية والعداء بين الأعراق والليبرالية الفارغة. ما رأيناه كان استراتيجية تاريخية تتحرك في كل مرة يتم فيها الخلاف على الوضع الراهن الهش، والذي أطلقنا عليه «مناهضة العنصرية من الأعلى». في غضون نصف قرن، كانت هذه استراتيجية تمكنت من التحول بعيداً عن التجمعات الراديكالية المنظمة ذاتياً في عصر القوة السوداء لصالح التنوع وصناعة العلاقات العرقية، الأمر الذي تركنا غير مؤهلين للتعامل مع الارتفاع الصارخ في العنصرية على مدى العقد الماضي في بريطانيا. في حين تمت الاستفادة من الانتقادات اليسارية القوية عند ظهور الحركة النسائية «girlboss» أو الشكل المحرر تماماً لسياسة الكوير ( «كوير» تعني غير اعتيادي أو غريب في الجندر) السائدة اليوم، إلا أنه كُتب عدد أقل نسبياً عن المكافئ المناهض للعنصرية، على الرغم من أن هذا يبدو أنه يتغير الآن. ربما، ولحسن الحظ، فإن العنصرية والحسابات الأولية للأرقام الديموغرافية قد أنقذتنا في بريطانيا من نموذج باراك أوباما: وجه أسود لهيكل السلطة البيضاء، ورمز لنزع سلاح وإضفاء الشرعية على انتقادات عنصرية الدولة. ولكن تحت تأثير حركات مثل «حياة السود مهمة» والإلحاح الذي تحاول به الليبرالية السيطرة على «مسألة العرق»، ربما يكون الوقت قد اقترب بحيث يتعين علينا مواجهة مثل هذا التحدي هنا في بريطانيا. من أجل إعداد أنفسنا لمثل هذه التطورات، فإن إيماننا الراسخ هو أن «مناهضة العنصرية» في بريطانيا كانت متأخرة للغاية في تصفية الحساب واستعادة تاريخها الغني.

 تعريفات متداخلة

 يذكر المؤلفان في الفصل الأول بعنوان «العرق والعنصرية» أن الحقائق التجريبية للعنصرية معروفة جيداً، وحتى الآن، تم التدريب عليها جيداً: من الفروق التمييزية في الدخل ونوعية السكن ومستويات البطالة التي تواجه الأشخاص غير البيض، فضلاً عن التهديد الدائم المتمثل في قسوة الشرطة وضوابط الهجرة غير الإنسانية وسلطات «الأمن القومي» القمعية، لكن الاعتراف بالعنصرية تجريبياً ليس بالضرورة نفس فهمها تحليلياً. وعلى غرار ذلك، قد تكون «تسمية» العنصرية أمراً شافياً، لكنه ليس قاطعاً». يتساءلان: «كيف نطوّر إطار عمل ندمج فيه التجارب المتنوعة للعنصرية، ونربطها بعمليات ملموسة للرقابة الاجتماعية والاستغلال، لاستخراج العمل، أو الاستبعاد الاجتماعي، أو نزع الملكية أو التهجير؟»

 يقدم المؤلفان قضية ألتاب علي، عامل النسيج البنغلاديشي الذي قُتل حتى الموت في شرق لندن على يد ثلاثة مراهقين في عام 1978، في عملية «تقريع باكي». لم تدخل العنصرية في المعادلة بمجرد أن وضع هؤلاء المراهقون الثلاثة أعينهم على ألتاب علي، فقد لعبت الظروف السياسية والاجتماعية السابقة دوراً في وضعه في ذلك الركن من شرق لندن في تلك الليلة المصيرية في عام 1978. لم يكن ألتاب علي ضحية للظروف فحسب، بل كان ضحية ل «التاريخ»، ويضيفان: في المقابل، لا يمكن اختزال مناهضة العنصرية في معارضة أعمال العنف العنصري، ولكن يجب أن تسعى جاهدة لتغيير الظروف التي تسمح بالعنصرية بجميع أشكالها وتجيزها، ويجدان أنه: في مواجهة عنف العنصرية الذي لا ينضب، قد يبدو الخلاف حول مسألة التعريفات غير ذي صلة أو متساهلاً أو حتى فاحشاً. ولكن تحدّد كيفية تصور أفكار العرق، وبالتالي العنصرية، وتعبئتها في الخطاب الشعبي اليوم، أولويات التنظيم المناهض للعنصرية، والأشكال التي يتخذها التنظيم وأساس التضامن الذي يشكل جزءاً منه.

يوضح المؤلفان أن «العرق هو نظام اجتماعي يحدد العلاقة الهيكلية لبعض الفئات الاجتماعية بالسلطة وعمليات الاستغلال، ويضع مؤشرات لتقسيم العمل والرقابة الاجتماعية. أما العنصرية فعملية ديناميكية تعتمد على علامات فسيولوجية وثقافية واجتماعية لتحديد حدود «الأجناس»، ويمكن أن تتعرض المجموعات للعنصرية نزولياً (سلبياً) أو صعوداً، وتتغير الحدود بمرور الوقت والمكان. وبالتالي، فإن العنصرية هي عملية نشطة لحصر المجموعات في هيكل اجتماعي أوسع للاستغلال من خلال الحفاظ على نظام العرق والدفاع عنه، من خلال الممارسة المطلقة للسلطة أو السياسة. يعمل العرق والعنصرية على ترسيخ السلطة داخل الدولة البريطانية، وكذلك دعم الإمبريالية البريطانية في الخارج. غالباً ما تعمل هذه العناصر معاً، على سبيل المثال في الطريقة التي يتم بها استخدام العنصرية اللاإنسانية لتبرير العدوان العسكري البريطاني ضد الأشخاص في الخارج، والذين يتعرضون بعد ذلك للعنصرية عندما يُجبرون على الفرار إلى بريطانيا، قبل دمجهم في الطبقات السفلية من المجتمع كلاجئين أو مهاجرين عن طريق عنصرية القوى الحدودية. العرق ليس بريئاً أبداً، فهو تمايز لأغراض الهيمنة. وإذا قبلنا هذا، فإن محاولة فصل العرق عن العنصرية هي مثل حالة الدجاجة والبيضة: العنصرية هي العرق المتحرك».

ويضيفان على ذلك بالقول: «العرق والعنصرية مكرسان سياسياً، ويتم تعزيزهما ثقافياً وإعادة إنتاجهما من خلال الممارسات الاجتماعية. تحدد قوانين وسياسات الولايات (أو دول من الاتحاد الأوروبي) حدود الأجناس، مثل قوانين الجنسية. إن أنماط ومؤسسات عنصرية الدولة البريطانية - مراقبة الحدود، والشرطة والأمن القومي - هي المادة اللاصقة التي تجمعهم معاً. يتم نقل التمثيلات الأيديولوجية للجماعات العنصرية من خلال الأجهزة الثقافية مثل وسائل الإعلام، مما ينتج عنه المجازات والصور النمطية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الفطرة السليمة، وتعمل «عنصرية الشارع»التي يقودها اليمين المتطرف كضامن للانضباط العنصري في المجتمع، من خلال بناء الموافقة الشعبية على السياسات العنصرية، واحتواء أي مقاومة مناهضة للعنصرية تتحدى النظام العنصري للأشياء».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز
1
غريغور غال

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت
1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج
1
سالفاتور إنجل دي ماورو
2
ويندي فيتزجيبون وجون ليا
https://tinyurl.com/2p8t5232