خليفة.. جسد تحت الثرى وإنجازات فوق الثريا

أربعون يوماً على رحيله
01:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

أربعون يوماً مضت على رحيلك،
أربعون يوماً بليلها ونهارها، بساعاتها ودقائقها، الأربعون انتهت فعلاً إلا أن حبّك باقٍ لا يزول، نعم سترفع الأعلام ولكن لن ترفع ذكراك من قلوبنا. 
نعلم أن الموت حق، والنفس المطمئنة ترجع إلى ربها راضيّة مرضيّة، لكننّا حينما ودعنا الحكيم والإنسان والقائد شعرنا بغصة الحزن وألم الفراق، فقد رحل عنّا قائد استثنائي تاركاً لنا ذكرى معطرة بتراب الوطن فيها الأمل، وحكمة الأفعال والأيام.
حزننا كبير وعميق حينما غادرنا جسداً، ولكن ما أعظم الخير الذي خلّفه لنا، وما أعلى البناء الذي أنجزه، وما أعمق الحكمة التي غرسها، وما أروع الدروس البليغة التي تركها لنا في مواجهة الزمن، ووصاياه الثمينة بالمحافظة على التلاحم والتعاضد، والتمسك بالاتحاد وتعزيز إنجازاته، لتبقى دولتنا عصريّة شامخة كما بناها الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه، رحمهم الله.
الثالث عشر من شهر مايو الماضي، يوم غير عادي في حياتنا، يوم اختلطت فيه دموع الحزن والأسى بالكآبة والضيق، يوم أدمى القلوب وأوجعها، يوم حزين وكئيب، وخبر صعب وقع علينا وقع السهام، ففي هذا اليوم غيّب الموت حبيب الشعب صاحب القلب الكبير، القائد الفذ المخلص لشعبه ووطنه الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله وطيّب ثراه، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد مسيرة طويلة من العطاء، وحياة حافلة كرسها لخدمة وطنه وأمته والإنسانية جمعاء، الزعيم الذي وهب كل خلجة من نفسه ولحظة من وقته لأبناء وطنه، ولم يترك أيّاً كان إلا وهبّ لنصرته، وساعد كلّ الشعوب التي تعاني، ودأب على أن تتبوأ الإمارات مكانتها بين الأمم المتقدمة.
شخصياً، تأثرت كثيراً وانتابني حزن عميق لتعلقي وحبّي الشديد لوالدي خليفة - ليس تجرّداً ولا مبالغة - ومن يعرفني جيداً أو عمل معي في قطاع الأخبار يعلم ذلك، وسعيت جاهداً الى أن أكتب عن الراحل لكنني لم أستطع الكتابة حينها، ولم أتمكن من حمل القلم بين أصابعي، ولا إلى تحويل الحروف المبعثرة إلى كلمات، لأنني سأعجز عن وصف هذه القامة الطاهرة النبيلة، إلاّ أنني بعد المحاولة والإصرار قررت أن أكتب بعد الأربعين يوماً أي بعد الحداد الرسمي مباشرة ولو شيئاً بسيطاً عن والدي وسيدي وقدوتي ومعلمي، بالرغم من أنني على يقين بأنه من الصعوبة بمكان الكتابة عن شخصية بهذا الحجم، شخصية تتسم بسعة الصدر ونفاذ البصيرة وطول البال والحكمة، الشخصية البشوشة الودودة التي دائماً تميل إلى البساطة في العيش، لا يعرف الكبر أو التعالي إلى قلبه طريقاً، طاهر النفس ومتسامٍ مع مكارم الأخلاق، يتعامل مع الآخرين بكل رحابة صدر، وينصت لمحدّثه بكل هدوء فيوحي له بالاطمئنان، إن تحدّث أوجز، وإن قال فعل.
فللّه درّك يا خليفة، أيّ قائد نبيل، وأيّ أب رحيم، وأيّ سياسي محنّك، وأي إنسان بسيط وأصيل أنت..
رحلت يا والدنا وتركت لنا إرثاً وذكرى من الصعب نسيانها، وتجلّت آثارها في كل ثنايا هذا الوطن، بل ووصلت جميع أنحاء المعمورة من خلال بصمات إنسانية لا حدود لها. لقد أرسيت أسس الحياة العصرية الحديثة وأسهمت في بناء وطنك بكل ما لديك من جهد، فأوصلت الإمارات إلى أرقى وأعلى المراتب بين الدول، وبنيت لشعبك ووطنك دولة مؤسسات ينظر إليها بإعجاب وانبهار، لذا ستبقى ذخراً ورمزاً لشعبك وأمتك وأحد العظماء الذين أنجبهم التاريخ. 
أبانا الحاني أنت صاحب الابتسامة والروح الإيجابية، سيطول حزننا عليك، فأنت رجل ليس ككل الرجال، ورمز ليس ككل الرموز، أنت أمة في رجل، فما تركته من إرث بين دفتي كتاب حياتك الذي تتقاطر من صفحاته المضيئة كل صور العطاء والإبداع والإخلاص والإرادة، يضعك حتماً ودون جدال في المرتبة الأسمى التي لا يجاورك فيها أحد، وعزاؤنا أن عضدك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، يحمل راية والدنا زايد ورؤيتك النيّرة لتستمر المسيرة المباركة التي لن تتوقف إلى الأبد، وسترتدي ثوب العز والمجد والسؤدد في عهد قائدنا الملهم، معتصمين دائماً تحت قيادته بوحدة الصف والكلمة والهدف والمصير.
الراحل الكبير.. أنت الآن في ذمة الخالق سبحانه وتعالى الذي نسأله بكل أسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته، رحلت برداً وسلاماً يا من كنت لنا أباً وقائداً ومحبّاً ومازلنا نرى رحيلك حلماً وفقدانك كابوساً ننتظر الاستيقاظ منه.
فنحن وشعوب العالم من حولنا الذين امتدت أياديه البيضاء المعطاءة إليهم تكنّ كل الحب لخليفة بن زايد الإنسان، وسيبقى خالداً في ذاكرتنا وحاضراً في كل تفاصيل حياتنا.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yckbstu8