الاستراتيجية الروسية الكبرى

كيف تتحرك موسكو في عصر تنافس القوى العالمية ؟
00:26 صباحا
ترجمة وعرض:
عبدالله ميزر
قراءة 8 دقائق
1
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
أندرو موناغان
أندرو موناغان، باحث ومحلل وأستاذ جامعي في مجال السياسة الدولية. تتركز اهتماماته الخاصة في السياسة الداخلية لموسكو والاستراتيجية الروسية، والعلاقات بين المملكة المتحدة وروسيا، وعلاقة المجتمع الأوروبي الأطلسي مع روسيا. أسس شبكة الأبحاث الروسية في عام 2006، وما يزال مديراً لها. له مؤلفات عدة عن روسيا وعلاقتها مع الغرب.

 فتحت الحرب الروسية - الأوكرانية، الأبواب على الكثير من الأسئلة المعقدة عن علاقة الغرب بموسكو، وكيفية بروز روسيا على المستوى العالمي، وشكل طموحاتها المستقبلية. يتساءل هذا الكتاب عن طبيعة النشاط التوسعي الروسي في عصر تتنافس فيه القوى العالمية بشكل واضح، ويركز على المصالح العسكرية والاقتصادية التي تشكل وتحرك الاستراتيجية الروسية.

هل تتصرف موسكو بشكل استراتيجي أم انتهازي؟ وهل ينبغي فهم ذلك من منظور إقليمي أو عالمي؟ يعاين هذا الكتاب النشاط الدولي لروسيا المعاصرة من جهة، ويتناول الموضوعات الأساسية للنشاط الروسي العسكري والاقتصاد والمتعلق بالطاقة، ويقدم رؤية متعددة، مدعومة بتحليلات مفصلة عن القدرات الجغرافية المكانية الروسية وإنشاء أساس للتخطيط الاستراتيجي من جهة أخرى.

 يتضمن الكتاب - الصادر عن مطبعة جامعة مانشستر في المملكة المتحدة في 2022 - فصولاً عن الاستراتيجيات العسكرية والبحرية وأمن الطاقة والتنويع الاقتصادي والنفوذ، ويسلط الضوء على الروابط بين المصالح العسكرية والاقتصادية التي تشكل وتحرك الاستراتيجية الروسية.

 يقدم الكتاب انعكاساً للنشاط الروسي في هذا العصر الناشئ لمنافسة القوى العظمى، ويسعى إلى تأطير رؤية أكثر شمولية للنشاط الروسي الدولي وكيف يمكن فهم ذلك؛ من حيث الاستراتيجية. ولا يتناول الكتاب الجوانب «التقليدية» للسياسة الخارجية الروسية، مثل علاقات موسكو مع الناتو، أو الاتحاد الأوروبي، أو مجموعة العشرين، أو البريكس، ومع دول محددة، سواء جيرانها أو دول كبرى مثل الصين والولايات المتحدة، أو بعض الدول الحالية.

 كتبت الخبيرة الأمنية الألمانية فلورنسا جوب تمهيداً للكتاب تقول في نهايته: «تتمثل الخطوة الأولى بالنسبة لأوروبا في إدراك حقيقة أن روسيا تحاول أن تلعب لعبة طويلة ووجدت طرقاً مبتكرة للتغلب على الضرر الذي تسببت فيه الإجراءات الأوروبية ضدها. هذا الإبداع بالذات هو مؤشر آخر على أن التفكير الاستراتيجي يلعب دوره. فقط بعد هذا الإدراك، يمكن لأوروبا أن تبتكر استراتيجية جديدة.. استراتيجية تستخدم الموارد المتاحة بشكل خلاق، وتعيد تحديد أهدافها طويلة الأجل، وتأخذ في الاعتبار مكان أوروبا وما تريد أن تكون عليه في المستقبل. لا يمكن أن تكون هناك عودة إلى فترة الهدوء للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا في تسعينات القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين. يجب أن تكون وجهة نظر أوروبا أكثر تركيزاً على المستقبل، حتى عام 2030 وما بعده وكيف وحيث تقود استراتيجية موسكو روسيا في هذه الفترة».

 وقدم أيضاً للكتاب الدبلوماسي إيان هيل الذي يقول: «يتغير المشهد الدولي بسرعة، ويصبح أكثر تعقيداً وتنازعاً. فصعود الصين والتحول المستمر في مركز ثقل القوة الاقتصادية العالمية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ هو السرد الجيوسياسي السائد في الآونة الأخيرة. يستمر التأثير الكبير والمدمّر للتكنولوجيا داخل المجتمعات وبين الدول في النمو بشكل كبير، مع ظهور تداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية وأمنية بعيدة المدى. كما أصبحت الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الأعمال والإعلام وجماعات المجتمع المدني أكثر تأثيراً. وفي الوقت نفسه، هناك خطر تفكك النظام القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية: تتعرض المؤسسات والأعراف المتعددة الأطراف لضغوط حقيقية، بينما تتخذ العديد من الدول بشكل متزايد نهجاً جديداً، بهدف حماية مصالحها الوطنية، حتى في الوقت الذي يتطلب فيه تغير المناخ والتحديات العالمية الأخرى إجراءات جماعية فاعلة».

 ويضيف هيل: «تؤدي هذه التغييرات إلى إنتاج عالم أكثر فوضوية ومفتوح على كافة التوقعات، ويحمل توترات متزايدة وعدم يقين. أين مكان روسيا في هذا المشهد العالمي سريع التغير؟ في كل مكان تقريباً، كما يحدث. وفي حين أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين هي الآن نقطة الارتكاز الرئيسة للعلاقات الدولية المعاصرة، تظل روسيا قوة رئيسة لا يستهان بها، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان من خلال لعب دور غير مناسب. لقد برزت روسيا كواحدة من اللاعبين الرئيسيين المعطلين وسط عدم الاستقرار العالمي المتزايد، وهي في وضع جيد للاستفادة من الفرص التي توفرها البيئة الدولية الأكثر اضطراباً وغموضاً».

 روسيا والمنافسة مع القوى العظمى

 منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، احتلت روسيا مكانة بارزة ودوراً نشطاً في الشؤون الدولية. يشير الكاتب أندرو موناغان إلى أنه «في خطابه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/ شباط 2007، صرّح الرئيس بوتين أننا بلغنا (اللحظة الحاسمة)، وحان الوقت للتفكير في (بنية الأمن العالمي). وانتقد خلالها الولايات المتحدة لمحاولتها إقامة عالم أحادي القطب ولاستخدامها القوة في حل القضايا الدولية، وصرّح أن روسيا ستسعى للعب دور نشط بشكل متزايد في الشؤون العالمية. كما ذكر أن روسيا دولة لها تاريخ (يمتد لأكثر من ألف عام) وقد استخدمت عملياً سياسة خارجية مستقلة. في أغسطس/ آب من ذلك العام، أرسلت روسيا رحلة استكشافية إلى القطب الشمالي، وزرعت العلم الروسي في قاع البحر أسفل القطب الشمالي، وقامت برحلات جوية بطائرات عسكرية بعيدة المدى فوق القطب الشمالي، عبر أوروبا، وفي المحيط الهادئ. في عام 2008، زارت القوات البحرية والجوية الروسية فنزويلا لإجراء تدريبات مشتركة في منطقة البحر الكاريبي. بالنسبة للكثيرين، لم يؤد هذا إلا إلى تأكيد التدهور المستمر للعلاقات بين المجتمع الأوروبي الأطلسي وروسيا، الذي يمكن تسميته نشوب «حرب باردة جديدة» أو «حرب باردة 2.0 (ثانية)». وقد عكس هذا المعنى، الركود المتسارع للتعاون منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والاحتكاك المستمر الناجم عن مجموعة من الخلافات حول السياسات والقيم. أكدت الخلافات حول أسعار الغاز بين شركة غازبروم ونافتوجاز (شركة النفط والغاز الوطنية الأوكرانية) في عام 2006 (ومرة أخرى في عام 2009) مخاوف أوسع في المجتمع الأوروبي الأطلسي بشأن استخدام روسيا للطاقة «كسلاح» في علاقاتها الدولية. أبرزت الخلافات حول توسع الناتو والحرب بين روسيا وجورجيا في أغسطس/ آب 2008 الجوانب العسكرية والأمنية للتوتر».

 ويضيف: «كان ينظر إلى هذه (الحرب الباردة الجديدة) إلى حد كبير من منظور أنها مشكلة إقليمية أوروبية-أطلسية. عادةً ما يتم تصويرها على الخرائط التي تركز على الأعضاء الأوروبيين في الناتو وتضمنت جزءاً صغيراً فقط من روسيا على الحافة الشرقية لأوروبا، وتميل فكرة «الحرب الباردة الجديدة» أو «العودة إلى الحرب الباردة» إلى التركيز على أوروبا أو المسائل الاقتصادية والسياسية والأمنية لشمال الأطلسي وهيكل واستقرار الهيكل الأمني ​​الأوروبي الأطلسي. لكن هذا في الأغلب قلل من أهمية الجوانب العالمية الأوسع لأفق موسكو ونشاطها (أو غاب عنها تماماً)، سواء فيما يتعلق بالنشاط العسكري أو جهود القيادة الروسية لاتباع سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، وتنويع علاقاتها الدبلوماسية وتعزيز العلاقات مع دول مثل الصين والهند. تطورت هذه الصورة لاحقاً بشكل كبير، لكن السمات الرئيسية أصبحت أكثر وضوحاً فقط. على الرغم من محاولة أخرى ل«إعادة ضبط» العلاقات في عهد الرئيس أوباما، فإن ما يُسمى ب«الحرب الباردة الجديدة» تعمقت أكثر، أولاً إثر فضائح التجسس ومنح روسيا حق اللجوء لإدوارد سنودن في عام 2013 والاجتماع الذي تم إلغاؤه بين الرئيسين أوباما وبوتين، وثانياً بشكل أكثر سرعة مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوائل عام 2014».

 يرى المؤلف أن «اندلاع الحرب في شرق أوكرانيا والأزمة التي تلت ذلك عام 2014 كانت إيذاناً بمرحلة جديدة في علاقة المجتمع الأوروبي الأطلسي مع روسيا؛ حيث تم تعليق قنوات الحوار وفرض العقوبات الاقتصادية وسط اتهامات متبادلة بأن الطرف الآخر كان يشن شكلاً من أشكال الحرب «الهجينة». ومع ذلك، وصف كبار المسؤولين الغربيين - بمن فيهم الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما - روسيا بأنها «قوة إقليمية» ضعيفة تهدد جيرانها المباشرين، وظل الاهتمام مركّزاً إلى حد كبير على المنافسة في أوروبا، لا سيما فيما يتعلق بالتهديد الروسي لدول البلطيق. أشار بعض كبار المسؤولين والمراقبين إلى ظهور منافسة أوسع بين القوى الصاعدة في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، والتي بدأت فعلياً في التبلور في أواخر عام 2010».

 بروز الانتشار الروسي 

أصبحت عمليات الانتشار العسكرية الروسية في جميع أنحاء العالم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، خاصة مع التدخل في سوريا في 2015؛ حيث نشرت موسكو قوات كبيرة في سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط​​، وأنشأت قواعد رئيسية في حميميم وميناء طرطوس، ثم عبر الشركات العسكرية في دول مثل ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى. كما زاد الجيش الروسي بشكل كبير من قدرته على الوصول ووجوده فيما تسميه موسكو «المناطق المهمة من الناحية الاستراتيجية» في عام 2014، في الفترة التي سبقت قمة مجموعة العشرين ووسط التوتر الكبير الناتج عن الحرب في أوكرانيا وإسقاط (طائرة الخطوط الجوية الماليزية، الرحلة رقم 17).

 يقول الكاتب: «في النصف الثاني من عام 2010، أعرب كبار المسؤولين الغربيين عن قلقهم بشأن توسيع هذه القدرة الروسية في وسط البحر الأبيض المتوسط​​، بما في ذلك نشر الطائرات العسكرية في القواعد في وسط وعلى سواحل ليبيا. استمر الطيران العسكري بعيد المدى في التحليق إلى فنزويلا (في عامي 2013 و2018)، وفي عام 2017، أرسلت القوات الجوية الروسية طيراناً عسكرياً بعيد المدى لزيارة مطار إندونيسي لأول مرة، كما أجرت تدريبات ملاحية فوق المحيط الهادئ. وقامت البحرية الروسية، أيضاً، بالعديد من الرحلات الطويلة؛ حيث أشار المسؤولون إلى التوسع المستمر في جغرافية الرحلات. في عام 2019، أجرى فريق عمل يضم الفرقاطة الأدميرال جورشكوف أول طواف بحري من قبل البحرية الروسية منذ القرن التاسع عشر. وشاركت القوات البحرية والفضائية أيضاً في مناورات في جميع أنحاء العالم إلى جانب الشركاء الصينيين، والإيرانيين، والجنوب الإفريقيين، وغيرهم. بدأ هذا النشاط في مناطق مختلفة يحظى باهتمام أكبر من المتخصصين، ولكن نادراً ما لوحظ أن روسيا أصبحت أيضاً أكثر نشاطاً بشكل واضح في المحيط الهندي؛ حيث أجرت تدريبات عسكرية قبالة جنوب إفريقيا وفي شمال المحيط الهندي وأمنت حقوق إنشاء مركز دعم لوجستي بحري في السودان في 2020.

 ويضيف على ذلك: في يناير/ كانون الثاني 2020، وصلت سفن روسية إلى القارة القطبية الجنوبية كجزء من رحلة حول العالم لإحياء ذكرى مرور مئتي عام على اكتشاف البحارة الروس لأنتاركتيكا (القارة القطبية الجنوبية). وكانت الحكومة الروسية في عام 2010، قد وقعت «استراتيجية لتطوير أنشطة الاتحاد الروسي في القطب الجنوبي حتى عام 2020 وعلى المدى الطويل». ثم منذ 2013، نفذت البحرية الروسية حملات استكشافية، وأعلنت الحكومة نيتها زيادة الوجود الروسي هناك اعتباراً من عام 2021، بما في ذلك المزيد من الأفراد وافتتاح محطة روسكايا على مدار العام، وفي عام 2020 صاغت وزارة البيئة «استراتيجية القطب الجنوبي حتى عام 2030». تشير الوثائق الرسمية إلى أن نية موسكو هي (المحافظةعلى) مكانة روسيا الرائدة في القطب الجنوبي».

 يسعى الكتاب في مجمله إلى معاينة الآراء والمواقف الروسية، لمحاولة فهم ما يدفع، ويقيد نشاط موسكو في مثل هذا الوقت من التوتر الشديد والمنافسة الناشئة بين القوى العظمى. ويؤكد المؤلف على العموم أن الفشل في فهم طبيعة التحديات؛ يؤدي إلى مفاجآت مستمرة في نشاط الخصوم وحدوث إخفاقات في السياسة.

عن المترجم

عبدالله ميزر

كتب مشابهة

1
فيفيك شيبر
1
نيل ديفيدسون وجيمس فولي وبن راي
1
جاريد كوشنر
2
كارولا ديتز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
هنرييت مولر وإنجبورج توميل
1
جرايسي ماي برادلي ولوك دي نورونها
1
إيفا راسك كنودسن وأولا راهبيك
2
ميشيل مودي آدامز
2
كريستوفر كلاري
4
بولي باليستر ويلكينز
1
جوناثان دارلينج
1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس