رغيد جطل
حينما نقرأ سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ونستمع إليه وهو يقول لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهما في الغار، وجموع الكفار تحيط بهما من كل مكان، «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، ندرك أن النبي قد لجأ إلى من لا يُضيّع من دعاه ورجاه، إلى الحفيظ، جلَّ وعلا، الذي يحفظ عبده ليل نهار.

الحفيظ اسم من أسماء الله الحسنى، وهو صيغة مبالغة من اسم الفاعل الحافظ، فلقد حفظ، سبحانه وتعالى، السماوات أن تقع على الأرض، «وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ»، الأنبياء:32، وحفظ السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»، البقرة:255.

والحفيظ له معنيان، الأول أنه يحفظ عباده من كل سوء ومكروه «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»، الرعد:11، أي يحفظونه بأمر الله، ولو تذكر العبد مواقف كثيرة مر بها في حياته أثناء تنقله بالسيارة أو الطائرة أو حتى أثناء سيره على قدميه، لوجد أنه لولا حفظ الله له في تلك المواقف لهلك، ولو أنه استذكر كم من المرات حفظ الله ابنه أو ابنته من مكروه أو سوء، لسجد للحفيظ، جلَّ وعلا، شكراً وحمداً. أما المعنى الثاني للحفيظ، فهو الذي يحفظ أعمال عباده وأقوالهم، فلا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وأقام على العباد ملائكة حافظين «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ»، الانفطار:10-12، وجوارح تشهد عليهم، فإذا كان يوم القيامة وأنكر العبد، جاءه الجواب «وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ»، سبأ:21، فشهد عليه كل شيء حتى جوارحه «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، يسن: 65.

الحفيظ يرشد عباده إلى حفظ نعمه، وعدم الإسراف فيها، وتأدية شكرها، بعدم استخدامها في ما لا يرضي الله، كما يوصي عباده بحفظ جوارحهم من المعاصي، وفي وصية النبي، صلى الله عليه وسلم، لابن عباس الأسوة، فقد قال له: «يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ...».

والعبد المؤمن يلجأ إلى الحفيظ فيدعوه أن يحفظه ولقد كان من دعائه، عليه الصلاة والسلام، «اللهمَّ احفظني بالإسلامِ قائماً، واحفظنِي بالإسلامِ قاعداً، واحفظنِي بالإسلامِ راقداً، ولا تُشمِتْ بي عدوّاً ولا حاسداً، اللهمَّ إنِّي أسألُك منْ كلِّ خيرٍ خزائنُهُ بيدِكَ، وأعوذٌ بكَ منْ كلِّ شرٍّ خزائنُهُ بيدِك».

ومن حفظ جوارحه عن المعاصي حفظها الله له، فلقد أورد العلماء مقولة لأبي شجاع الفقيه الشافعي الذي عاش عمراً مديداً جاوز المئة، ولم يختل عضو من أعضائه، فلما سُئل عن ذلك قال: «ما عصيت الله تعالى بعضو منها في الصغر، فحفظها الله عليَّ في الكبر».

[email protected]