القاهرة: «الخليج»

دعا د.شوقي علام، مفتي مصر، إلى مزيد من إرساء ثقافة التعامل مع أصحاب الهمم، وحقوقهم، مؤكداً أن الاسلام اهتم بهم كثيراً، وشدد على العناية والاهتمام بهم، ومنحهم كل حقوقهم في التعليم والصحة وغير ذلك من أمور الحياة.

ودعا مفتي مصر جميع المجتمعات والفئات إلى التعامل مع أصحاب الهمم بكامل التقدير، مشدداً على تحمل المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية دورها، من خلال بيان خطورة الانتقاص منهم، وإرساء ثقافة مراعاة حقوقهم وآداب التعامل معهم.

قال د.شوقي علام، مجيباً عن تساؤلات حول صور اهتمام الشرع ورعايته لأصحاب الهمم: هؤلاء في مصر مثلاً، كما يُعرّفهم قانون «حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة» رقم (10) لسنة 2018، هم: «الأشخاص الذين لديهم قصور أو خَلل كليّ أو جزئي، سواء كان بدنيّاً، أو ذهنيّاً، أو عقليّاً، أو حسيّاً، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقرّاً، ويمنعهم لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفَعَّالة مع المجتمع، وعلى قَدَم المساواة مع الآخرين».

وأضاف: من المعلوم أن دين الإسلام هو دين الرحمة والتيسير على عباد الله؛ يقول تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، الآية 185 من سورة البقرة. وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثتُ بِالحَنِيفِيةِ السَّمْحَةِ».

لذلك، فإن مِن محاسن الشرع الشريف أنه رفع الحرج في كثير من العبادات والواجبات عن بعض المكلفين، وأصحاب الهمم ممّن خصهم الشرع الشريف بمزيد من التيسير ورفع الحرج.

وأشار إلى أنه، سواء كانت إعاقة أصحاب الهمم جسدية أو ذهنية أو كلاهما معاً، فقد قدر الإسلام أعذارهم، فأسقط عنهم الكثير من التكاليف الشرعية، سواء كانت فرائض وواجبات أو سنناً ونوافل، يقول تعالى: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ»، الآية 17من سورة الفتح.

ويقول العلامة البيضاوي في «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»: «نفت الآية الكريمة الحرج عن أصحاب الأعذار الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله واستثنتهم من الوعيد والعقوبة التي ستنال المتخلفين عن الجهاد بلا عذر».

كما ورد في السنة النبوية ما يدل على رفع الحرج عن أصحاب الأعذار، فقد أخرج الإمام البخاري في «صحيحه» عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».

وأوضح مفتي مصر أنه إذا كان هذا في جانب التكاليف الشرعية، فإن جانب الحقوق لأصحاب الهمم من الأمور التي أَولى بها الشرع عناية خاصة، فحرّم السخرية والاستهزاء بكل صورها وأشكالها؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية جاءت لحث الناس على مكارم الأخلاق والبعد عن بذيء الأقوال والأفعال. كما نهى الإسلام عن الذم، ونهى عن السخرية واللمز والاحتقار، في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»، الآية 11 من سورة الحجرات.

وفي حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

وأكد مفتي مصر أن السخرية من أصحاب الهمم قد تشتمل على السب وبذاءة اللسان، وهو محرم شرعاً أيضاً، وموجب لفسق صاحبه، ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».

وقال الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم»: «وأما معنى الحديث: فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق».

ويضاف إلى ذلك، وفق مفتي مصر، أنّ السخرية من الآخرين التي تُلْحِق بهم الأذى، ولو معنوياً، هي فعلة مجرمة وفق القانون.

حول شكل التعامل الأسري مع أصحاب الهمم، قال د.شوقي علام: «للأسرة دور في رعاية هذه الفئة، من ذلك: إغداق مزيدٍ من الرعاية والحنان تجاههم، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى».

وأَسس الإسلام لمبدأ مراعاة الجوانب النفسية لأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ فعن أنس رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا.

وأكد مفتي مصر أن «من حق أصحاب الهمم إلحاقهم بالجهات التعليمية الخاصة بهم، وينبغي على من يتولى رعايتهم أن يحرص على ذلك، فمن حقهم أن تتهيأ لهم الأسباب والطرق المناسبة لينالوا حقهم في التعلم. يضاف إلى ذلك أنَّ من أهم أدوار الأسرة في رعاية أبنائها من أصحاب الهمم، هو: السعي في علاجهم. وأرشد الشرع الشريف إلى الرجوع في التداوي من الأمراض إلى متخصّصي الأطباء، لأنهم أهل الذِّكْر في هذا».