الشارقة - «الخليج»
«إن دراسة الرداءة وتحليلها أصعب من دراسة الجودة، حيث إن للرداءة ألف وجه ووجه، وتتطلب دراستها وقتاً وجهداً ومتابعة وتحليلاً موضوعياً لأنماطها وفرضياتها وانحيازاتها وغاياتها وتأثيراتها..» هذا ما جاء في الكتاب الجديد للمفكر والدبلوماسي د. يوسف الحسن بعنوان «تأملات في ثقافات رديئة» وصدر حديثاً عن شركة «المطبوعات للتوزيع والنشر» في بيروت.
والكتاب يوضح كيف تمكنت الثقافة الرديئة ومسوقوها من إغرائنا بقبول «تسلياتها» النمطية السلبية والرخيصة، وتشجيعنا على الإغفاء بدلاً من التيقظ والتركيز، واللامبالاة وإشاعة البلاهة، بدلاً من الوعي والتفكير النقدي، وإغرائنا بالنظر إلى ما هو مبتذل ومقيت وغير مقبول، وغير خاضع للقواعد الجمالية والمعايير الأخلاقية الإنسانية والذائقة السوية، وكأنه حتمي وضروري، ومنسجم مع «الموضة» والعصر.
ويسعى هذا الكتاب إلى التعريف بأنماط الثقافات الرديئة والتأمل فيها وفي ظلالها الاجتماعية والسياسية، والتي - كما يقول الحسن- إذا كانت قد خدعت بعضنا، فهذا أمر سيئ ومذموم، وأما إذا كانت تحفزنا على كشفها ونقدها ونبذها، فهذا أمر مطلوب ومحمود وجيد.
حفل هذا الكتاب الذي يسعى بحسب المؤلف إلى ضرورة البحث عن ثقافة لا يغيب عنها الإنجاز الحضاري والإنساني، ثقافة قادرة على طرد الرداءة والتفاهة، بعناوين كثيرة تضيء على أنماط الثقافة الرديئة ومنها: ثقافة التفاهة، ثقافة الاستبداد، ثقافة الفساد، ثقافة الاستعلاء، ثقافة الكراهية، ثقافة الوعي الزائف، ثقافة «الاعتذار المقلوب»، ثقافة طغيان الوهم على الواقع، ثقافة غفلة العقل، ثقافة الأساطير اللاهوتية المتعصبة، ثقافة حوار «الطرشان»، فيروسات ثقافة الحرب، ثقافة «المحلل» المستعار.. وغيرها.
يكتب د. الحسن في مقدمة كتابه: «شغلتني في السنوات القليلة الماضية، خواطر وتأملات في ما لحق السياسة من تجريف وتيه وتفريغ لمحتواها، وبلادة وربما موات أيضاً، وما أصاب الثقافة من رداءة وتخل عن وظائفها الاجتماعية، والإبداعية، والفكرية، وغياب لمعاييرها الأصيلة، من ذائقة وقيم جمالية وأخلاقية، وأحاسيس رسولية بالوجود الإنساني، في شتى أبعاده وأشكاله».. وأضاف: «كتبت هذه التأملات وأنا مدرك أن هناك نماذج مضيئة في السياسة، وفي الثقافة في بيئتنا العربية أو في بيئات خارجية أخرى، إلا أن المشهد العربي لا يسر، حينما نعمل الفكر في سياق الزمن العربي الجمعي الراهن، المبتلى بالمواجع والفواجع المتلاحقة، وبالحيرة الشديدة والاضطراب، والأسئلة الكثيرة المعقدة».