القاهرة - «الخليج»:
في أثناء رحلته، وبحثه عن موقع تاريخي، يعود إلى بدايات العصر المسيحي، في شمال صحراء مصر الغربية، اصطحب عالم الآثار الألماني «كوفمن» ابن عمه «إيفالد فالس»، وبينما كان الأول يهتم باكتشافاته، كان الثاني يكتب عن الصحراء وأهلها، وطباعهم، وخاصة قبائل أولاد علي، وكان ثمرة ذلك البحث كتاب «ثلاث سنوات في صحراء أولاد علي» ترجمة عاطف معتمد، وأماني فايز.
يصف المؤلف «أولاد علي» بأنهم: «الرحالة البدو الحقيقيون الوحيدون في الإمبراطورية المصرية»، فهم القبيلة الوحيدة التي احتفظت بخصال وصفات العربي الحقيقي، وحدهم الذين يبدون «كما لو أنهم جاءوا من شبه جزيرتهم، فخورين بقوة تحملهم، وقوتهم وكمالهم الجسدي، وفراستهم التي تلعب فيها الدور الرئيسي، أعينهم الجريئة، وأنوفهم الكبيرة، وأذقانهم الدقيقة، وشفاهم الممتلئة».
بدأت الرحلة من الإسكندرية، ثم إقليم مريوط، وبعدها وادي النطرون، وزيارة الأديرة به، وذكر المؤلف المجموعة التي ساعدتهم في رحلتهم، وذكر أيضاً طباعهم، وكيف ساعدوهم على الوصول إلى اكتشافهم، وكيف تم اختيار العمال، وتنظيم أوقات الحفر، وظروف العمل.
يصف الكاتب أيضاً تفاصيل حياة البدو، وتقاليد الزواج، وطقوس الموت، والمشاعر الدينية، ويختلف هذا العرق البدوي، بشكل لافت للنظر عن الأعراق البدوية المصرية الأخرى، وكذلك حيواناتهم، التي تبدو، وكأنها تنتمي إلى فصيلة مختلفة تماما!
قابل «كوفمن» بعض المشاكل أثناء البحث والتنقيب، نتيجة لبعض التغيرات السياسية، والظروف التي جعلت كل مستكشف مشكوك في أمره، بأنه عميل لدولة أجنبية، وكانت البعثة تنقب في موقع تاريخي أثري، يعود إلى بدايات العصر المسيحي، كتب عنه من قبل رحالة سابقون، وحددوا موقعه.
يقابل المستكشفان أجواء سياسية، تغير من خطط عملهم في التنقيب، فكان يعاصر هذه المرحلة حكم الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي كان يحاول الفكاك من الاحتلال البريطاني، والبطل الرئيسي في هذا الكشف هم «بدو أولاد علي» فكان لهم الفضل في الوصول إلى المكتشفات الأثرية للمدينة، التي تقع غير بعيد عن برج العرب والحمام في مريوط، كما تحدث الكاتب عن أحوالهم الاجتماعية والثقافية والدينية.
الكتاب رواية مشوقة لحدث استكشافي، قام به «كوفمن»، ولو كان الكتاب من تأليفه، لقرأنا تفاصيل عن الآثار، في مقابل معلومات هامشية عن المنطقة وسكانها، لكن مؤلف الكتاب حدثنا قليلاً عن الآثار وأسهب، في المقابل، في عرض المكان وأهله، لا سيما قبائل أولاد علي، ومن هنا تنبع أهمية الكتاب الذي يعد شهادة على تفاعل البيئة والإنسان، في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
*أطلال مدينة
خط سير الرحلة يبدأ من منطقة المكس غرب الإسكندرية، مروراً بالعامرية وإقليم مريوط الشرقي، وقبل الوصول إلى موقع المدينة، يقوم المستشكفان بزيارة دينية وجغرافية للأديرة، في وادي النطرون، ثم يتجهان إلى مريوط مجدداً، وهناك يعثران على أطلال المدينة التي يبحثان عنها، ويضم الكتاب وقائع اكتشاف ونهب آثار تلك المدينة، ونقل تحفها النادرة إلى متحف برلين.
خلال أعمال التنقيب، يتلقى المستكشفان دعوة رسمية، لمرافقة الخديوي عباس حلمي الثاني، في رحلة إلى سيوة، مع ضيوف أوروبيين، ستضيف الرحلة إلى الكتاب معلومات أخرى، توسع من دائرة الرؤية، لتتسع خريطة الكتاب، وتصل إلى واحة سيوة. نتعرف في سياق الرحلة إلى شخصيات علمية وسياسية وثقافية مهمة في مصر، مطلع القرن العشرين، وفي مقدمتهم الطبيب الألماني المهتم بالآثار «شيس باشا» الذي كان له الفضل في نجاح الرحلة، كما نتعرف إلى رئيس تحرير جريدة «ذي إيجبشين جازيت» الذي سيطلق دعوة لاستصلاح أراضي مريوط، حول المدينة التاريخية. من اللافت أن ما توقعه المؤلف وخبراء تلك الفترة الزمنية في العقد الأول من القرن العشرين، من امتداد العمران الزراعي، إلى تلك المنطقة، قد تحقق بالفعل، منذ ستينات القرن العشرين.
يضم الكتاب رؤية استشراقية لأحوال المجتمع البدوي وعاداته، وسمات الأنثروبولوجيا الثقافية التي تميز بها مطلع القرن العشرين، وللكتاب قيمة إضافية في حديثه عن مسارات الطرق والمواصلات، في ذلك الزمن، مثل طريق الحج المغربي المار بالإقليم، وحديث المؤلف عن خط السكك الحديدية الذي كان محل التشييد آنئذٍ، وكان ينتظر إكماله إلى مطروح.
توقع مؤلف الكتاب عدم وصول الخط الحديدي إلى السلوم، وهي نبوءة لا تزال سارية إلى اليوم، ويعرفنا الكتاب أيضاً إلى ملامح طبوغرافية مهددة بالاندثار، مع المدينة الحديثة، بل إن بعضها دُمر بالفعل، ولم يعد له أثر أو مكان على الخريطة.