عادي

تعرف إلى الرواية البوليسية من منظور نفسي

21:52 مساء
قراءة 4 دقائق

القاهرة - «الخليج»:

للرواية البوليسية اليوم وجود مستقل كجنس أدبي، له ما يميزه شكلاً وموضوعاً، اعترف به العديد من الدراسات الأدبية، النظرية والتطبيقية، وقد تبلور هذا الجنس الأدبي في القرن التاسع عشر، بفضل التطورات التي عرفتها المدينة الأوروبية، وعرف تطورات، جعلت الدارسين يعملون على تصنيفه إلى أنواع، إلا أنه غالباً ما يختزل تعريفه في اعتباره شكلاً فنياً، يطرح لغزاً للحل، ويتألف من مجموعة عناصر أساسية: جريمة مستعصية على التفسير، ضحية محقق، استدلال افتراضي استنباطي، حل نهائي.

وإذا كان صحيحاً أن هذا الجنس الأدبي، طاله التهميش النقدي والأكاديمي مدة طويلة، بالرغم من انتشاره وشعبيته، فإن الأصح أنه نال اهتماماً لافتاً، في نهاية القرن العشرين، وبداية الألفية الجديدة، وعلى الأخص في النقد والفلسفة والتحليل النفسي.

يعتبر هذا الكتاب الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع، لبيير بيار وعنوانه «من قتل روجير أكرويد؟ الرواية والتحليل النفسي» فريداً في نوعه، ويعد من الكتب التي لقيت اهتماماً واسعاً، لأسباب مهمة، على رأسها أنه كتاب نقدي، يغير من نظرتنا إلى الرواية البوليسية، ويسائل «النقد البوليسي» التقليدي في أسسه ومنطلقاته، ويدعونا إلى اكتشافات جديدة، لا في سبل القراءة والتأويل فحسب، بل في السبيل التي تقود إلى إعادة البناء والكتابة.

أهمية الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية «حسن المودن» لا تعود إلى أن صاحبه يقرأ الرواية البوليسية، من منظور نفساني جديد فحسب، بل تعود إلى كونه لا يكتفي بالتحليل والتفكيك والنقد والتقويم، بل إنه يتعدى ذلك إلى إعادة كتابة رواية بوليسية، من زاوية نظر جديدة ومغايرة، كأنما الناقد يتحول إلى كاتب ثان لهذه الرواية.

*أسئلة أساسية

ينطلق بيير بيار في دراساته من أسئلة أساسية: ماذا لو كانت هناك حقيقة أخرى داخل العمل الأدبي البوليسي، غير التي اقتنع بها القراء والنقاد لزمن، قد يصل إلى قرون، كما في حالة هاملت شكسبير؟ ماذا لو كانت الرواية البوليسية هي الأخرى مسرحاً للأخطاء القضائية والتحقيقات الخاطئة؟ ألم يسبق لفولتير أن قام بهذا النوع من التحقيق، معبراً عن تحفظاته على المسؤولية الجنائية للملك أوديب؟ ماذا لو كان المحققون في الروايات البوليسية مخطئون في استدلالاتهم ومنطقهم، كما هو الشأن بالنسبة إلى المحقق في رواية «مقتل روجير أكرويد» لأجاثا كريستي، أو كما هو الأمر بالنسبة إلى المحقق شرلوك هولمز في قضية «كلب باسكيرفيل»؟

هذه الأسئلة التي دفعت «بيير بيار» إلى وضع منطلقات جديدة للنقد النفسي للرواية البوليسية، من أهمها أن مهمة المحلل هي أن يقوم بتحقيق مضاد، فالمجرمون في الأدب كما في الحياة، قادرون على الإفلات من تحقيقات المحققين، والشخصيات الأدبية ليست شخصيات ورقية، بل هي شخصيات حية يمكنها أن ترتكب جرائم دون علم الكاتب المؤلف، ولكن هناك دائماً فرصة لإعادة التحقيقات من جديد، وكشف النقاب عن الحقيقة.

لا تعود أهمية هذا الكتاب إلى كونه يكشف الاسم الحقيقي للقاتل، بل قيمته تتعلق بأنه يقترح علينا التفكير من جديد في عمل المؤول أو القارئ وطريقة اشتغاله، وقد نجح «بيير بيار» في تأسيس نوع جديد من النقد البوليسي، أو الأصح استطاع أن يؤسس نوعاً أدبياً جديداً، يقوم على ثلاثة عناصر: رواية بوليسية، كتاب حول القراءة، تفكير في التأويل، وهو نوع أدبي يمكن أن نسميه: المحكي البوليسي النظري، ذلك لأن بيير بيار في كل دراسة من دراساته، يقدم رواية بوليسية داخل الرواية البوليسية، وقاتلاً وراء قاتل، وتحقيقاً وراءه تحقيق..

*تأويل

يحيل عنوان هذا الكتاب على الرواية المشهورة لأجاثا كريستي «مقتل روجير أكرويد» التي تكشف من خلالها أن القاتل هو السارد نفسه، وهذه الخلاصة لم تقنع بيير بيار، فدعا إلى تحقيق مضاد، وإلى طرح سؤال: من قتل روجير أكرويد؟ وتبعاً للتحقيق الذي أجراه، فإن الحقيقة الوحيدة في الرواية هي مقتل أكرويد، وتبقى البقية موضوع تأويل، ويدعونا «بيار» في كل مرة إلى عدم الاقتناع بالحقائق التي تقدم إلينا، وأن نتعلم البحث عن الحقيقة بأدوات مغايرة، وأن نتخذ من اللعب أو السخرية أسلوباً في التحليل والتفكير.

لذلك يقترح نظرية جديدة: تطبيق الأدب على التحليل النفسي، ويدعونا إلى قلب الأدوار، وقد أصدر كتاباً بعنوان «موباسان بالضبط قبل فرويد» ويقرأ فيه «فرويد» بمساعدة «موباسان» كما نجده يعمل على فحص بعض المعاصرين لفرويد، مثل بيسوا وبروست، وينتقل إلى كتاب ما بعد فرويد مثل أندريه بريتون، وبول فاليري، وسارتر، وأجاثا كريستي.

يمكن الإشارة إلى كتابه «كيف نتحدث عن كتب لم نقرأها؟» فهناك طرق متعددة للقراءة، لأن الأدب كتاريخه، فضاء لا محدود من الحرية، وليست غاية هذا الكتاب الدعوة إلى اللاقراءة، بل هو سخرية من تصوراتنا للقراءة.

وله كذلك كتاب «كيف نصلح الأعمال الأدبية التي أخطأت هدفها؟» فالكُتّاب الكبار قد تصيبهم لحظات ضعف، وعلى الناقد أن يقوم مقامهم في تصحيح أعمالهم، وتنقيحها، والارتقاء بها، وله أيضاً كتب مثل: «تحقيق في قضية هاملت أو حوار الصم» و«قضية كلب آل باسكيرفيل» و«الغد مكتوب» وأهمية هذه الكتب أنها تدعونا إلى إعادة النظر في مفاهيمنا التقليدية، التي تبقى سجينة مسلمة، مفادها أن الأسباب تسبق بالضرورة النتائج، في حين أن الأدب يقول العكس.

https://tinyurl.com/hcs9mtfx

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"