القاهرة: الخليج

على الرغم من أن الفيزياء تشهد نفور معظم تلاميذ المدارس وطلاب كليات العلوم والهندسة والطب والتربية وغيرها، ذلك النفور الذي يكاد يصل إلى الكره، فإن هذا النفور لا ينبع من صلب هذا العلم الجميل، ولا من موضوعاته ولا من صعوبة فهمه؛ بل إن مصدر النفور ينبع أساساً من طريقة تدريسه، بما في ذلك ندرة الحصص العملية التجريبية؛ بل وأحياناً غيابها تماماً. هناك تشوه للهدف من دراسة الفيزياء؛ حيث إن معظم الدارسين والمدرسين، يحولون هدف دراسة وتدريس الفيزياء، بعيداً عن الأهداف الصحيحة، لفهم الظواهر والعمليات الفيزيائية، والتوصل إلى الروابط بينها وإثارة وتنشيط التفكير المنطقي، لتفسير وفهم هذه الظواهر والعمليات.

يشير د. مرسي الطحاوي في كتابه «فيزياء الجسيمات الأولية» الصادر عن دار آفاق للنشر والتوزيع، إلى أن الملاحظ وطنياً وقومياً وعالمياً، أن هبوط مستوى الاهتمام بالفيزياء والعلوم الأساسية عموماً، يرتبط بعمق تدني مستوى البحث العلمي والتقدم التكنولوجي والصناعي والاقتصادي.

ويوضح أن أصل كلمة «فيزياء» يوناني، وكان هذا العلم يرتبط بعلم الفلسفة الطبيعية؛ بل يمكن القول إن العلوم الأساسية كانت فروعاً من هذه الفلسفة الطبيعية، وقد بدأ الإنسان يهتم بالطبيعة حوله منذ آلاف السنين، خاصة في ظل عدم فهم الظواهر الطبيعية، وخوفه من آثار بعضها المدمرة والخطرة على حياته ووجوده.

كما بدأ في ملاحظة الارتباط المتبادل لبعض هذه الظواهر، خاصة تلك التي تلعب دوراً مهماً في تلبية احتياجاته، وفي نشاطاته، مثل ارتباط موسم الأمطار وفيضان الأنهار ونضوج الثمار، وتصرفات الحيوانات، مع تناوب فصول السنة وحركة الأجرام السماوية.

يرى د. الطحاوي أنه إذا اعتبرنا الفلك فرعاً من فروع الفيزياء (أو أحد علوم الفلسفة الطبيعية) فقد تقتنص الفيزياء الريادة التاريخية، من بين كل العلوم؛ إذ بدأت ملاحظة ودراسة ترتيب وحركة الأجرام السماوية، وارتباط ذلك بالظواهر الطبيعية المهمة لحياة أهل الحضارات القديمة، فاهتم المصريون منذ فترة ما قبل الأسرات بأهم حدث سنوي، وهو فيضان النيل، وارتباطه بفصول السنة.

وقد اكتشف أقدم أثر فلكي يعود إلى نحو 5 آلاف سنة ق. م. ويسميه العلماء بالدوائر الحجرية، وهو عبارة عن جدول حجري، يدل على نوع من التقويم التاريخي، وله علاقة بمواعيد الظواهر الطبيعية والمناخية، وكذلك لاحظ السومريون في أقدم حضارات ما بين النهرين حركة الأجرام السماوية، وترتيب وضعها سواء في أبراج النجوم الفلكية أو في أبراج التنجيم الأسطورية ووضعوا ذلك في ألواح الأبراج الشهيرة.

أما نشوء الفيزياء كعلم ممنهج ومكتوب – كما يرى د. الطحاوي – فيمكن إرجاعه إلى الفيلسوف والعالم الإغريقي طاليس، أول من حاول تفسير الظواهر والعمليات الطبيعية بعيداً عن الأساطير، ثم هرقليطس الذي اهتم بدوره بالزمن، وتتابعه في العمليات الطبيعية، ثم عاد ليوكيبوس في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد ليكون أول من اقترح التركيب الذري للمادة بشكله الأولي البدائي؛ حيث قال إن كل المواد تتركب من ذرات أو وحدات، جد صغيرة، لا ترى ولا يمكن تجزئتها، وتتلمذ على يديه أبو العلوم ديموقريطوس.

وعموماً اعتقد الإغريق أن الكون يتكون من أربعة عناصر هي الهواء، الماء، التراب، النار، ثم أضافوا إليها الأثير الشفاف عديم الكتلة، الذي تتواجد فيه كل الأشياء والأحياء، وتتكون هذه العناصر الأربعة من الذرات، أي الجسيمات الأولية الأساسية، وهي عند الإغريق ذرات الهواء، وذرات الماء، وذرات التراب، وذرات النار، وهكذا احتوت أولى قوائم الجسيمات الأولية على أربعة جسيمات.

يوضح د. الطحاوي أنه منذ منتصف القرن الثامن عشر اهتم العلماء بدراسة تركيب المادة والبحث عن المكونات الأولية الأساسية للعناصر، ويمكن اعتبار أن الفيزياء الذرية الحديثة قد بدأت مع الكيميائي الفرنسي لافوازييه وقانونه التجريبي لبقاء الكتلة أثناء التفاعلات الكيميائية، ومع الكيميائي الفيزيائي البريطاني جون دالتون الذي بنى نظريته الذرية انطلاقاً من دراسته للتفاعلات الكيميائية وتوصله إلى بعض القوانين التجريبية وأهمها قانون النسب الصحيحة الثابتة.

وواصل العلماء سعيهم نحو الكشف عن مكونات المادة وعن الجسيمات الأولية التي تتكون منها العناصر في الطبيعة، وشاهدت العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين اختراقات عظيمة في مجالات الفيزياء الحديثة وتم معظم تلك الاكتشافات المبهرة أثناء دراسة الفيزيائيين للظواهر الضوئية والظواهر الكهرومغناطيسية.