عادي

الإسلام يحترم العقل والعلم

التفكير الرشيد.. فريضة دينية
22:15 مساء
قراءة 5 دقائق

القاهرة– بسيوني الحلواني:

لا يزال بعض الذين يتحدثون باسم الإسلام يخشون إعمال عقولهم في أمور الدين، ويعتبرون ذلك ضرباً من العبث ينتهي بنا إلى هدم الدين، ويظهر بعض هؤلاء، للأسف، من خلال فضائيات دينية أو عامة يحذرون الناس من كل مَنْ يُعمل عقله لفهم بعض النصوص الشرعية فهماً عصرياً، أو يجتهد لبيان موقف الشرع في قضية مستحدثة، ومحاورة هؤلاء تؤدي إلى مزيد من الجدل العقيم الذي يشتت عقول المسلمين.

1

يؤكد الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر أن العقل في نظر الإسلام هو مناط التكليف، وهو الذي يعيننا على الإيمان بالله ورسله وملائكته واليوم الآخر، ويقول: «نُعَلِّم أبناء المسلمين في الأزهر الشريف أن إثبات وجود الله تعالى يعتمد على دليل العقل، وما يتطلبه من نظر ومقايسة واستنباط، وأن هذا الإيمان لا يعتمد على دليل النقل وحده، فالعقل في منظور ديننا وشريعتنا الإسلامية هو مناط معرفة الله، وهو الأساس الذي يعتمد عليه القرآن في خطابه للناس، وتكاليفه الشرعية سواء في العبادات أو المعاملات، وهذا هو سر تكرار كلمتَي (العقل والعلم) لفظاً ومعنى في كتاب الله الخاتم».

ويوضح شيخ الأزهر أن تنويه القرآن بأهمية العقل في تحصيل الإيمان بالله تعالى، لا يعني أنه أهمل طريق الفطرة، والتي هي: «الاستعداد القوي والميل الجارف الذي يدفع بالإنسان دفعاً نحو الإقرار بوجود إله خالق للكون ومدبر له».. فهذا الشعور الذي يمثل قدراً مشتركاً بين الناس جميعاً لا يخلو منه أحد من الناس منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يشعر به الصغير والكبير والعالم والجاهل، والمتحضر والمتخلف، ويستوي في الإحساس به الفيلسوف والخامل حيث يقول الحق سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا».

وعن دور العلماء والدعاة في حماية الدين من شطط بعض العقول يقول د.الطيب: «نحن مأمورون بالتذكير، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره ربه بذلك في قوله تعالى: «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»، «فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى»، ويجب هنا أن ننتبه إلى أن العلم والعقل الذي بنى عليهما الإسلام أمره منذ أول كلمة فيه، وجعلهما مناط تكاليفه كلها كبيرة كانت أو صغيرة أوشك أن يخلي مكانه في حياتنا المعاصرة إلى أخلاط من «ظنون وأوهام وتخيلات» استبدت ببعض العقول، وتؤثر في مجتمعاتنا سلباً وارتياباً وشكوكاً في أمور الدين، بل تؤثر في استقرار الشعوب وتماسكها الذي هو الشرط الأساسي في نهضة الدول ونمائها وتقدمها».

وينصح الشيخ الطيب كل مسلم يلتبس عليه الأمر في فهم وإدراك بعض حقائق الدين أن يرجع إلى (أهل الذكر) في الأمور التي تخفى على الناس ولا يعلم حقيقتها إلا العارفون بها، فهذا هو مطلب القرآن منا جميعاً، كما هو واضح في قوله تعالى: «فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ»، كما ينهانا الله سبحانه عن تحكيم الظن فيقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم»، ويقول: «إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا»، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أن يتخذوا الظَن معياراً يتعرفون به إلى حقائق الأشياء، ويصدرون أحكامهم عليها.

المطلوب من العقل

يقول العالم الأزهري د. سيف قزامل، أستاذ الشريعة الإسلامية والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بالأزهر: «مطلوب من العقل المسلم التفرقة بين ما جاء به القرآن الكريم، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوامر ونواه تحمل أحكاماً شرعية واضحة ومحددة.. وبين الأمور المتجددة التي تتطلب إعمال العقل فيها، لاستنباط الأحكام الشرعية العصرية التي تتناسب مع العصر، فالخلاصة أننا نقول «سمعاً وطاعة» لكل ما جاءت به الشريعة من أحكام وتشريعات، وشعارنا في كل ذلك قول الحق سبحانه: «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون».. وواجب المسلم أن يدرك جيداً معنى قول الحق عز وجل: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا».

ويضيف: «الشريعة الإسلامية لم تحجب العقول، بل تدفع العقول الرشيدة المستنيرة إلى التفكير الواعي والاجتهاد المنضبط في كثير من أحكامها، ولذلك فليس غريباً أن نرى شريعة الإسلام تقدس «النقل» ممثلاً في نصوص القرآن والسنة.. وتحترم «العقل» ممثلاً في اجتهادات علماء المسلمين قديماً وحديثاً.. ولولا العقل الذي احترمه الإسلام وفتح أمامه كل مجالات التفكير والتحليق في كل مظاهر الكون وإبداعاته ما عرف النقل».

وسيلة إصلاح

يؤكد د. عبدالله مبروك النجار الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن نظرة الإسلام إلى العقل البشري نظرة احترام وتقدير، فالإسلام لا يطلب من المسلمين إغلاق عقولهم وتجميد تفكيرهم والدعوة إلى التفكر والتدبر في ملكوت الله وفي كل مجالات حياة الإنسان دعوة إسلامية، ولسنا في حاجة إلى تقديم أدلة وبراهين على أن العقل في الإسلام «قيمة دينية وإنسانية يتوقف عليها صلاح أحوال الناس في الدنيا والآخرة».

ويوضح أن قيمة العقل في الإنسان لا تقوم على اعتبار أنه هو أصل كرامة الإنسان فحسب، بل لأنه أساس إصلاح الدين والدنيا، بحيث إذا فقد هذا العقل لا يكون للإصلاح في الدنيا مدخل، ولا للتكليف بأمور الدين وجود أو أثر، فالعقل مدخل لإصلاح الدين والدنيا، فهو أساس حمل الأمانة العامة، وهى أمانة التكليف وأعباء المسؤولية عن شرع الله ووحيه، وما أنزله على أنبيائه ورسله، وهدى إليه الأولياء والأتقياء من خلقه.

عندما يعجز العقل

يوضح د. النجار أن الأحكام التعبدية قد لا يستطيع العقل أن يقف لها عند إجابة شافية، لأنه إذا تساءل عن سبب عدد ركعات الصلاة مثلاً سيكون ذلك التساؤل وارداً على كل عدد يمكن أن تكون مشروعية الصلاة عليه، ومن ثم سيقع في دور وتسلسل لن ينتهي، ولن يحصل منه على إجابة شافية، ولهذا كان الامتثال للتعبديات مطلوباً دون وقوف لها على علة عقلية يستقر العقل عندها، لكن يظل للعقل دور مهم في فهم الأحكام الشرعية واستيعاب مدلولها وفقه مصادرها، فهو أساس العلم، والعلم هو أساس العبادة، وإذا كان من المقرر شرعاً أن الله لا يعبد إلا بما شرع من خلال اتباع الدين حيث يوجد لدى الإنسان عقل يقدر على فهم الخطاب ليعمل به، لأن العمل لا يصلح دون علم، والعلم لا يصلح دون عقل، فكان للعقل أثر كبير في هذا المطلوب الشرعي المتعلق بفهم الدين والعمل به.

https://tinyurl.com/3rdvvdwj

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"