القاهرة: «الخليج»

«عصر الثورة.. أوروبا (1789 – 1848)» كتاب للمؤرخ إريك هوبزباوم يتتبع تحول العالم بين هذين العامين، وهو التحول الذي يعزى إلى ما يسمى «الثورة المزدوجة» أي الثورة الفرنسية عام 1789 ومعاصرتها الثورة الصناعية (البريطانية) ومن ثم فإن الكتاب بالمعنى الدقيق ليس تاريخاً لأوروبا أو للعالم.

حاول هوبزباوم الإشارة إلى البلد الذي تأثر بمضاعفات الثورة المزدوجة خلال تلك الفترة، أما إذا كان تأثير الثورة على البلد آنذاك غير ذي بال، فقد توخى عدم الإشارة إليه، من هنا يجد القارئ شيئاً عن مصر، لا عن اليابان، عن أيرلندا أكثر من بلغاريا، وعن أمريكا اللاتينية أكثر من إفريقيا.

لا يعني ذلك بالطبع أن تواريخ البلدان والشعوب، التي لم يتعرض لها الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية الدكتور فايز الصياغ، أقل إثارة أو أهمية من تلك التي اشتمل عليها، وإذا كان منظور هذا الكتاب أوروبياً أو بصورة أدق فرنسياً – بريطانيّاً في المقام الأول، فلأنّ العالم أو جزءاً كبيراً منه على الأقل، قد أخذ بالتحول في تلك الفترة بفعل تأثيرات أوروبية، بل فرنسية أوروبية في أصولها.

يرى هوبزباوم أن الكلمات في أغلب الأحيان تنطوي على شهادات أعلى وقعاً من الوثائق، وعلى سبيل المثال في بضع كلمات اخترعت أو اكتسبت معانيها الجديدة أساساً خلال فترة العقود الستة التي يعالجها هذا الكتاب، ومن هذه المصطلحات كلمات مثل الصناعة، الصناعي، المصنع، الطبقة العاملة، الرأسمالية، الاشتراكية، الليبرالي، المحافظ، السكة الحديدية.

كما نجد مسميات مثل النفعي، الإحصاء، ومصطلحات عديدة أخرى مثل الصحافة، الأيديولوجيا، وهي كلها كلمات نحتت أو عدلت خلال تلك الفترة، شانها شأن مصطلحات أخرى من نوع الإضراب، الإملاق.

يقول هوبزباوم: «إذا تخيلنا العالم الحديث بدون هذه الكلمات أدركنا عمق الثورة التي اندلعت بين العامين 1789 و1848 ومثلت التحول الأعظم في تاريخ البشرية، منذ العصور المغرقة في القدم، التي اخترع فيها الإنسان الزراعة، وصنع الأدوات المعدنية والكتابة والمدن والدولة، فقد نقلت الثورة العالم بأسره من حال إلى حال، ولا تزال تفعل ذلك».

إن الثورة الفرنسية 1789، والثورة الصناعية البريطانية لم تكونا انتصاراً للصناعة بحد ذاتها، بل للصناعة الرأسمالية، ولا للحرية والمساواة عموماً، بل للطبقة الوسطى وللمجتمع البرجوازي الليبرالي ولا الاقتصاد الحديث أو الدولة الحديثة، بل للاقتصادات والدول في منطقة جغرافية معينة من العالم (هي جزء من أوروبا وأقسام من أمريكا الشمالية).

كان مركزهما يتمثل في دولتين متجاورتين متنافستين هما بريطانيا العظمى وفرنسا، كان التحول الذي طرأ بين العامين في جوهره تجسيداً للنهضة التوأم، التي انطلقت من هذين البلدين، وانتشرت في مختلف أرجاء المعمورة.

يشير المؤلف إلى أن تحولاً بهذا العمق لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى ما قبل عام 1789 وهي تعبر عن أزمة الأنظمة القديمة التي سادت العالم الشمالي الغربي قبل أن تكتسحها الثورة المزدوجة، وعلينا أن نلاحظ أن القوى الاجتماعية والاقتصادية والأدوات السياسية والثقافية الساعية إلى هذا التحول كانت مستعدة آنذاك في منطقة هي من الاتساع، بحيث تستطيع أن تشعل الثورة في أرجاء القارة الأوروبية الأخرى، وعلينا ألا نشغل أنفسنا باستقصاء ظهور السوق العالمية أو بروز طبقة القطاع الخاص من أصحاب المشروعات الاقتصادية النشطين على نحو كاف.

وحيث إن الثورة المزدوجة قامت في جزء واحد من أوروبا وخلفت فيه آثارها المباشرة في أجلى مظاهرها، فلا مناص من أن يكون التاريخ الذي يتناوله هذا الكتاب إقليمياً في نطاقه، وبما أن الثورة العالمية التي انطلقت من هاتين البؤرتين في انجلترا وفرنسا، كان لابد من أن تتخذ شكلاً توسعياً وغزواً أوروبياً لبقية العالم، فقد تمثلت أبرز تداعياتها بالنسبة للتاريخ العالمي في ترسيخ الهيمنة على العالم من جانب عدد غير قليل من الدول الأوروبية لا سيما بريطانيا.