ترجع العلاقات الاقتصادية والثقافية بين روسيا وبلدان الشرق الأوسط إلى الماضي البعيد، وتشهد المدونات والأسفار التاريخية والملاحم الشعرية الروسية، والحكايات من مختلف الأنواع، بصورة مقنعة، على أن الروس ومنذ عصر الدولة الروسية الكيفية كانوا يعرفون بلاد الشرق الأوسط ليس فقط عن طريق التواتر والسماع، وإنما قام عدد كبير منهم بزيارتها والإقامة فيها لمدد متباينة.

ومنذ القرنين السادس والسابع الميلاديين عرف السلافيون طريقهم إلى الشرق الأوسط، وتظهر المصادر البيزنطية والأرمنية والغربية، على أن الفصائل العسكرية الروسية كانت تقاتل في صفوف الجيش البيزنطي في ماكدونيا وسوريا في نهاية القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الميلاديين، ومما لا شك فيه أن العلاقات التجارية كانت موجودة في ذلك الزمان بين روسيا وبلدان الشرق الأوسط.

يشير ب. م. دانتسيغ مؤلف كتاب «الرحالة الروس في الشرق الأوسط»، ترجمة د. معروف خزنه دار، إلى أن اعتناق الروس للدين المسيحي كان له أثره البالغ في تقوية العلاقات مع الشرق الأوسط، وكان هناك عدد كبير من الحجيج، وهم مدفوعون بعاطفة دينية، يسلكون طريقاً طويلاً وشاقاً للوصول إلى فلسطين، ويزورون أثناء مسيرتهم القسطنطينية وآسيا الصغرى ومصر وسوريا، وكان ممثلو الكنيسة الروسية الأرثوذكسية يتوجهون إلى القسطنطينية أيضاً.

أدبيات

إن مسيرة الحجيج إلى الأراضي المقدسة – كما يرى المؤلف – في روسيا ما قبل بطرس الأكبر، وكذلك خلال القرن الثامن عشر وجدت لنفسها انعكاسات واضحة جداً في الأدبيات المدونة، فقام عدد كبير من العلماء والدبلوماسيين ورجال الجيش بالسفر إلى الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومع ذلك تفتقر تلك الأدبيات حتى الوقت الحاضر إلى نشرة كاملة من المواد عن الرحالة الروس في الشرق الأوسط في الوقت الذي أصبح الجانب الكبير من أعمالهم منسياً أو من النوادر الببليوغرافية.

لذلك وضع المؤلف في خطة تأليفه تحقيق مهمة متواضعة تنحصر في تقديم عرض عام وموجز للمواد المنشورة عن الرحلات الروسية في الشرق الأوسط وإظهار الجوانب المتعددة لاهتمام الروس لدى دراستهم بلدان الشرق، ويشتمل الإطار الزمني للكتاب على الفترة من القرن الثاني عشر حتى بداية الحرب العالمية الأولى.

أما الإطار الجغرافي فهو ينحصر في حدود أصقاع ومناطق الشرق الأوسط، وبعبارة أخرى من الأستانة وآسيا الصغرى إلى سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وبلاد ما بين النهرين، وشبه جزيرة سيناء ومصر وأرخبيل اليونان وقبرص.

يحتوي العمل على معلومات عن أسفار ورحلات المواطنين الروس إلى الشرق الأوسط في روسيا قبل عهد بطرس الأكبر، وفي القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومثل هذا التصنيف للمراحل هو عمل مشروع، ففي روسيا لما قبل بطرس الأكبر وردت في مسيرة الحجيج والتجار، وإلى حد ما الدبلوماسيين ملاحظات وانطباعات ساذجة بسيطة عن حياة شعوب الشرق الأوسط.

ومع ذلك لا يمكن غض الطرف عن الواقع الذي يشير إلى أن الرحالة الروس قد أضافوا بمعلوماتهم الصحيحة والدقيقة عن بلدان الشرق الأوسط مصادر قيّمة على الأدبيات، وبذلك أسهموا إسهاماً كبيراً في دراسة تلك البلدان، وعلى الرغم من وجود نواقص في دراسة الشرق الأوسط في القرن الثامن عشر؛ من حيث تنسيقها في ضوء التدرج المرحلي فإنها كانت لدرجة ما موجهة لأغراض معينة.

ومنذ نهاية القرن الثامن عشر لم يكن من السهل العثور على بحوث علمية أصلية للمواطنين الروس عن مناطق معينة في ساحة الشرق الأوسط، وفي القرن الثامن عشر بدأ تدريس اللغات الشرقية في روسيا، وتأسست المطبعة الأولى التي دخل الألفباء العربي في مجموعات حروفها، وقد نالت دراسة الشرق في روسيا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نجاحات كبيرة إلى حد بعيد.

تقارير

هذا العمل تمت تهيئته في ضوء المصادر والمواد التي تتألف من الكتب والمذكرات والمقالات وتقارير الحجيج والرحالة والضباط والدبلوماسيين والعلماء والفنانين والكتاب الروس الذين وصلوا إلى الشرق الأوسط وقاموا بزيارته، ومن جملة ذلك العدد الهائل من الكتب والمقالات المنشورة في المجلات والصحف والوثائق المحفوظة في الأرشيف، يوجه المؤلف عناية القرّاء بصورة خاصة إلى تلك المصادر التي تحتفظ لحد الآن بقيمتها العلمية، والتي من شأنها أن توسع معارف القرّاء عن الشرق الأوسط وعن الأوضاع فيه، وعن حياة الناس وطرق معيشتها في الأزمنة الغابرة.