يتأثر الأدب الحديث، فكرة وأسلوباً، بالمعارف الإنسانية العامة، التي تدور حول موقع الإنسان في العالم، وتكوين العالم وتاريخ المادة، والحياة، وما يتعلق بهذا من مفاهيم أخلاقية، وفي كتابه «موت النبي الزائف جبران خليل جبران.. جمع بصيغة المفرد» يؤكد جورج ميخائيل ديب أن عصر جبران تنازعته أفكار روحية، ومعارف مستجدة.
تأثر جبران بتيارات شتى، يذكرها المؤلف: غنوصية، وعلمية، وفلسفية، معتمداً على التأويل البعيد عن التدقيق، والعاجز عن اكتناه الواقع واستشراف التوجهات المستقبلية للعصر.
صلب أطروحة «ديب» أن جبران قد تعرف إلى علوم عصره الفلكية والبيولوجية، لكن بصيغة عمومية، وأدرك في الفلسفة – لا سيما مع نيتشه – انعكاس الأطروحات العلمية على المفاهيم النظرية، لكن على الرغم من ذلك كله فإن بنية أفكاره كانت باطنية مع شعرية رومانسية، مالت به إلى التزام الطروحات الغنوصية، وإلى محاولة التوفيق بين بعض علوم العصر والقيم الروحانية.
تمسك جبران بالماضي وأراد أن يكون مستشرفاً للمستقبل، لكن - وهذا هو المهم – بطريقة أخرجت المعارف العلمية عن طبيعتها، وبثت في نفسه وكتاباته، سواء عبر توالي هذه الكتابات، أو حتى في الكتاب الواحد بعينه، قدراً كبيراً من التشويش والتناقض، لقد استحال التوفيق إلى تلفيق.
ونتيجة لذلك اضطر جبران إلى المداورة البلاغية، والخداع الأسلوبي. وكشف هذا الخداع السفسطائي، يغري على البحث، ليتضح أخيراً كيف يعتمد التشكيل الفكري الملفق على مداورة كتابية معسولة الألفاظ.