محمد فراج أبو النور *
أزمة سياسية وأمنية كبري تشهدها ليبيا هذه الأيام بسبب تسليم ضابط المخابرات السابق أبوعجيلة المريمي إلى الولايات المتحدة لمحاكمته على ذمة قضية لوكيربي الشهيرة، التي كانت قد أغلقت بناء على اتفاق رسمي بين طرابلس وواشنطن، منذ أغسطس عام (2008).. أي منذ أكثر من أربعة عشر عاماً.
كان الغموض قد أحاط بمصير«أبو عجيلة» منذ أن اعتقلته ميليشيات «دعم الاستقرار» التابعة لرئيس الحكومة المنقضية ولايتها عبد الحميد الدبيبة منتصف الشهر الماضي، ونقلته إلى أحد معسكراتها، حتى أعلنت وزارة العدل الأمريكية منذ أيام أنه محتجز لديها لمحاكمته بتهمة «تصنيع القنبلة» التي أدى انفجارها إلى سقوط طائرة تابعة لشركة «بان أمريكان» فوق بلدة لوكيربي الأسكتلندية في يونيو(جزيران) عام 1988 ومصرع (270) شخصاً بينهم (189) أمريكياً.
معروف أن الولايات المتحدة كانت قد اتهمت المخابرات الليبية يومها بالوقوف وراء الحادث، ووجّهت الاتهام إلى عبد الباسط المقراحي، والأمين خليفة فحيمة بالتخطيط له وتنفيذه، وطلبت من ليبيا تسليمهما، لكن طرابلس رفضت في البداية، ما أدّى لفرض عقوبات أمريكية ودولية، وهو ما انتهي بعد شد وجذب طويلين- إلى تسليمهما لمحاكمتهما أمام محكمة اسكتلندية عقدت جلساتها في هولندا، وانتهى الأمر إلى تبرئة فحيمة، وإدانة المقراحي والحكم عليه بالسجن 27 عاماً، ليستأنف الحكم، رافضاً الاعتراف بارتكابه للجريمة ثم أفرج عنه لأسباب صحية عام 2009، ليتوفى بعدها متأثراً بمرض السرطان.
إعادة فتح القضية !
ودون الدخول في تفاصيل القضية التي استمر النزاع حولها نحو عشرين عاماً ننتهي إلى القول بأن ليبيا دفعت تعويضات قدرها (2.7 مليار دولار) كتعويضات لأهالي ضحايا الحادث، مقابل تعهد الولايات المتحدة بإغلاق ملف الحادث نهائياً وعدم إثارة أية مطالبات جديدة بشأنه، وتم توقيع اتفاق رسمي بين الطرفين بهذا الشأن في أغسطس 2008.
لكن وزارة العدل الأمريكية عادت فوجهت الاتهام رسمياً إلى «أبو عجيلة» المريمي (في ديسمبر 2021) بالضلوع في التخطيط للحادث، وتصنيع القنبلة التي أدت لإسقاط الطائرة، في تجاهل للاتفاق الرسمي المشار إليه.
لذلك كان طبيعياً أن يثير تسليم «أبو عجيلة» إلى الولايات المتحدة غضباً شديداً في مختلف الأوساط السياسية الليبية، نظراً للتبعات الخطيرة التي يمكن أن تنطوي عليها إعادة فتح ملف قضية لوكيربي بالنسبة لليبيا، ومع الأخذ في الاعتبار أن تسليم الرجل إلى أمريكا تم بعيداً عن كل المؤسسات القانونية في البلاد، كما كان طبيعياً أن تتجه أصابع الاتهام بالمسؤولية عن تسليمه إلى الدبيبة، الأمر الذي اعتبره البرلمان الليبي «جريمة خيانة عظمى» كما دانه المجلس الأعلى للدولة بقيادة خالد المشري ورئيس الحكومة المكلفة من جانب البرلمان، فتحي الباشاغا، داعياً حكومة الدبيبة إلى الاستقالة. كما أعلن النائب العام أن هذه الخطوة تمت دون علمه.
وإزاء الغضب الشعبي العارم لزم الدبيبة الصمت لعدة أيام، غير أنه عاد فاعترف بمسؤوليته عن تسليم «أبو عجيلة» للولايات المتحدة، ودافع عن هذه الخطوة بقوله: «إن ليبيا لن تتقدم دون أن تشارك في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب»!، وهو ما أثار مزيداً من الغضب ضده، كما أثار أسئلة منطقية حول إقدامه على هذه الخطوة من دون الرجوع للجهات القانونية والقضائية والسيادية المسؤولة، وحول مصداقية تبريره للتسليم «بمكافحة الإرهاب»!، بينما تحتضن حكومته وتموّل منظمات إرهابية شديدة التطرف مثل «داعش» و«القاعدة» المصنفة دولياً كمنظمات إرهابية.
ثمن الدعم الأمريكي
والواقع أن الدبيبة أقدم على اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة ثمناً للدعم الأمريكي له ولحكومته، ولاستمراره في الحكم وتكرار إشادة السفير والمبعوث الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند به، وتعامل الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى مع حكومته باعتبارها الحكومة الشرعية للبلاد، في تجاهل تامّ لانقضاء ولايتها، ولسحب البرلمان للثقة عنها وتشكيل حكومة جديدة هي حكومة الباشاغا.
ولا يقف الأمر عند تسليم «أبو عجيلة»، بل تؤكد مصادر ليبية أن الولايات المتحدة تطالب الدبيبة بتسليم «عبدالله السنوسي» رئيس المخابرات في عهد القذافي، والذي ينظر إليه باعتباره «الصندوق الأسود» للنظام السابق، وعدد آخر من كبار رجال النظام.
وتؤكد هذه المصادر أن الدبيبة عازم على الاستجابة لهذه المطالب الأمريكية، وهو ما ترفضه بشدة الأوساط السياسية والقبلية التي ينتمي إليها هؤلاء، وتهدد بالتصعيد العسكري، حال تسليمهم، وإغلاق صمامات «النهر الصناعي العظيم» وكذلك حقوق النفط وغير ذلك من الخطوات التصعيدية.
مخاطر فتح ملف لوكيربي
والواقع أن تسليم «أبو عجيلة» أو غيره ينطوي على مخاطر جسيمة أبرزها إعادة فتح ملف لوكيربي، وإهدار الاتفاق السياسي والقانوني المبرم عام 2008، الذي ينص بوضوح تام على تسويته «بصورة كاملة ونهائية، لا يجوز بعدها فتح أي مطالبات جديدة عن أية أفعال ارتكبها أي من الطرفين بحق الطرف الآخر»- (المادة 3 من الاتفاق)- كما تنص المادة الثالثة منه ملحقة على «التزام الولايات المتحدة بتوفير الحصانة السياسية والدبلوماسية لليبيا».
وعودة الولايات المتحدة الآن إلى فتح ملف لوكيربي لا معنى لها إلا الرغبة في ابتزاز ليبيا، أياً كان النظام الموجود فيها، بطلب مزيد من التعويضات من الأموال الليبية المجمدة في البنوك الأمريكية والغربية (نحو 170 مليار دولار) وإملاء الشروط الأمريكية على أية حكومة ليبية فيما يخص سياستها الداخلية والخارجية وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وبناء على ذلك كله، فإن تسليم «أبو عجيلة» ومن يستجدّ من المطلوبين- لأمريكا، يمثل بداية لتطورات سياسية وأمنية خطيرة في ليبيا، وتعدّ توجهاً أمريكياً جديداً بالغ الخطورة تجاهها.
* كاتب مصري