القاهرة - «الخليج»

يأتي كتاب «عمارة القصور في الأندلس» ضمن سلسلة أعمال المؤلف «باسيليون بابون ملدونادو» الموسوعية المتعلقة بالعمارة في الأندلس، أو ما يطلقون عليه اليوم «العمارة الإسبانية الإسلامية» هذا المصطلح يستهدف البحث عن الإسهام المحلي في مكونات الحضارة العربية في الأندلس، ويستهدف أيضاً البحث عن المكون الحضاري العربي الإسلامي في الممالك الكائنة في شمال شبه الجزيرة الأيبيرية والبرتغال، التي كانت تناوئ العمارة والخلافة في الأندلس، ومع هذا كانت تنهل من حضارتها وثقافتها.

الكتاب الذي أصدره المركز القومي للترجمة في جزءين بترجمة د. علي إبراهيم المنوفي هو محاولة جادة للحديث عن هذا الصنف من المساكن والقصور والمنازل الكبرى، التي زالت من الوجود أو تلك التي لا تزال قائمة، وهو يعتمد البحث في المصادر العربية في هذا الشأن، لكنه لا يقف عند هذا الحد، بل يتخطاه إلى البحث على أرض الواقع، لبحث ما بقي واندثر، وما هو حقيقي في الحوليات العربية، وما هو مبالغة، وجاء كل ذلك بأسلوب جدير بمثل هذا الصنف من الدراسات.

في الجزء الثاني من الكتاب يتناول المؤلف عصر المرابطين والموحدين، حين بدأ الضعف في عصر ملوك الطوائف مع احتلال ألفونسو السادس طليطلة عام 1085 وقد أسفر هذا عن وصول المرابطين إلى شبه الجزيرة الأيبيرية لوقف الزحف المسيحي، وهم قبيلة إفريقية من أصول بربرية، وسيطر هؤلاء بقيادة يوسف بن تاشفين على المغرب وأسسوا مدينة مراكش واستولوا على فاس، وأزاحوا المعتمد بن عباد من إشبيلية، وبنوا السور والبوابات الرئيسية والأماكن المسورة بمدينة قرطبة وإشبيلية وغرناطة.

انتهى عصر المرابطين بوصول الموحدين، وبذلك أصبح المغرب والأندلس دولة واحدة لها عاصمتان، إحداهما في مراكش والأخرى في إشبيلية، حيث يشير الكتاب إلى أننا لا يصلنا شيء من العمارة المرابطية في شبه الجزيرة، وسبب هذا الحرب وأحداث أخرى، لدرجة أنه لم يتبق مسجد واحد يرجع لتلك الفترة، وإذا ما تحدثنا عن المنشآت الحربية والأسوار والبوابات وتحصينات القلاع فإننا نجد المادة الخام المستخدمة في البناء هي نفسها المستخدمة في بناء التحصينات الموحدية.

المدن الكبرى

هناك حالة لا تختلف كثيراً وهي الخاصة بالعمارة المدنية أو عمارة القصور التي تؤثر في إضفاء المزيد من التشابك المرابطي الموحدي الذي لوحظ في الأسوار، ولم تسفر آخر عمليات الحفائر التي جرت في إشبيلية عن توضيح مخططات مباني المراحل الخاصة بعصر ملوك الطوائف وعصر المرابطين والموحدين، حيث تشابكت الخطوط، وتداخلت بالشكل الذي نراها عليه اليوم.

ويرجع عدم وجود آثار مرابطية في الأندلس خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر، اللهم إلا الكاستيخو بمرسية وتلك الزخارف الجصية في المورور الغرناطي إلى تركز النشاط الفني في المدن الكبرى في الشمال الإفريقي مثل مراكش وفاس وتلمسان والجزائر وهي كلها عواصم للأسر البربرية الحاكمة، كما أنه من غير المستبعد أن يكون هناك سبب آخر لهذه الظاهرة هو الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، التي تعيشها منطقة ما أثناء المرحلة الانتقالية بين أسرة حاكمة وأخرى. غير أن الكتاب يوضح أن النشاط الفني لم تخبُ ناره خلال المرحلة الانتقالية المرابطية الموحدية التي استمرت طوال القرن الثاني عشر، ومع هذا كان التشدد وعدم الوعي عند الموحدين السبب في تباطؤ تطور العناصر الجمالية، التي كانت سائدة في عهد سابقيهم، واتخذت الفنون توجهات جديدة كان التقشف بطلها، وما يطلق عليه مسمى الفن المرابطي والفن الموحدي لابد أنهما قد فرضا ماهيتيهما على الطرف الآخر من مضيق جبل طارق.

يمكن أن نطلق على الفن في عصر المرابطين في المغرب، الفن الأندلسي تحت الحكم المرابطي، دون أن تكون هناك قطيعة فنية مع عصر ملوك الطوائف، وليست هناك استمرارية بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما ما حدث هو أن الفن المرابطي محصلة فورية ومباشرة لتطور الفن الأندلسي، وهناك من يعترف بأن ماهية هذا الفن هي بث الفن الإسباني الإسلامي وفن عصر ملوك الطوائف في منطقة الشمال الإفريقي، ومعنى هذا أن ذلك الأمر يلخص في عبارة: «انتصار ثقافي لشعب مهزوم تمكن منه الغازي».