تسعى دولة الإمارات إلى زيادة المرونة في ما يتعلق بإصدار وتحديث القوانين التجارية والاقتصادية، خاصة تلك التي مضى عليها عشرات السنوات، والتي باتت اليوم لا تتواكب مع متطلبات الاقتصاد العالمي، وباتت رياح التغيير بفعل الأزمات العالمية، تجعل من تحديثها ضرورة ملحة.
أصدرت دولة الإمارات، مؤخراً قانون «تنظيم الوكالات التجارية»، الذي سوف يبدأ العمل به منتصف يونيو/ حزيران المقبل، ومضى على سابقه -القانون القديم- أكثر من 40 عاماً، ليأتي القانون الجديد بالعديد من التعديلات التي تسعى الدولة من خلالها لإضفاء مزيد من المرونة والتنافسية لدعم الاقتصاد الوطني لمواكبة التطورات المستقبلية في قطاع الأعمال والتجارة.
وتعتبر تنمية قطاع الأعمال هدفاً استراتيجياً للإمارات، وتوفير بيئة تشريعية محفزة لنموه يأتي على رأس أولوياتها، كما أن قانون «تنظيم الوكالات التجارية»، يُعد خطوة مفصلية لتطوير بيئة الأعمال، بما يتماشى مع النموذج الاقتصادي الجديد للدولة، في ضوء مستهدفات الخمسين، ومحددات مئوية الإمارات 2071.
يقول عدد من الخبراء والمستشارين القانونيين، إن القانون الجديد، سيكون له تأثير عميق في الاقتصاد الوطني، كما سيساهم في نمو وازدهار قطاع الوكالات التجارية وزيادة عددها، ونسبة مساهمتها في دعم الناتج المحلي الإجمالي، كما يعزز من جاذبية الدولة للاستثمار الأجنبي المباشر، وترسيخ مكانتها كوجهة جاذبة لكبرى الشركات والعلامات التجارية، الإقليمية والعالمية.
وأضافوا، أن التعديلات الكثيرة التي شهدها القانون سيكون لها أثر إيجابي كبير في ما يتعلق بزيادة عدد الوكالات التجارية، خاصة أن دولة الإمارات توجد فيها 6 آلاف وكالة تجارية فقط، وهذا الرقم تسعى الدولة إلى زيادته بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.
وأوضحوا أن القانون الجديد حاول، قدر الإمكان، الموازنة بين حقوق 3 جهات، الموكل كمستثمر (الشركة العالمية)، والوكيل الذي بنى الوكالة واستثمر فيها أمواله منذ سنين، ونية المشرع الإماراتي، فتح المجال أمام الاستثمارات الجديدة العالمية لدعم الاقتصاد المحلي.
عدد الوكالات التجارية في الدولة يقارب 6 آلاف وكالة فقط - بحسب وزارة الاقتصاد، وفي بعض دول الخليج تخطت ال 17 ألف وكالة.أهم التعديلات
يقول عصام التميمي، رئيس مجلس إدارة التميمي ومشاركوه للمحاماة والاستشارات القانونية: «إن قانون الوكالات التجارية الجديد ألغى القانون السابق، وأدخل عليه العديد من التعديلات أهمها 4 تغييرات جديدة، وهي، إمكانية ملكية غير المواطن للوكالات التجارية، بناء على حالتين، الأولى، قرار من مجلس الوزراء بوضع ضوابط، وإعفاء غير المواطن من تملك الوكالة، بشرط ألا تكون هذه الوكالة موجودة داخل الدولة لوكيل حالي، والثانية، أجاز في شركات المساهمة العامة ل49% من غير المواطنين التملك في هذه الوكالات، بينما سابقاً كان نسبة تملك المواطن 100%».
وأضاف التميمي: «القانون أعطى لمحاكم الدولة ميزة النظر في النزاعات بين الموكل والوكيل، كما أجاز الاتفاق في عقد الوكالة بينهما على التحكيم داخل الدولة، وقرار التحكيم يسري على قرارات «لجنة الوكالات التجارية»، ما لم تتفق الأطراف على التحكيم في الخارج».
ويرى التميمي أن هناك تغيرات نوعية وكبيرة بموجب القانون الجديد، الذي أعطى الحق بعدم تجديد الوكالة التجارية بعد انتهاء مدتها، بإخطار سنة، أو من منتصف المدة، مع احتفاظ الوكيل بحقه في التعويض، إذا كان هناك مبرر للتعويض، بينما لم ينص القانون السابق على إنهاء الوكالة، وبالتالي يجوز إنهاء الوكالة التجارية، بعدة طرق، منها؛ إخطار يُرسل من الموكل للوكيل لمدة سنة، أو نصف مدة العقد، أيهما أقصر، أو إذا نص العقد على الإنهاء خلال مدة حدداها فيما بينهما.
- الموازنة بين الوكلاء
وأشار إلى أن المشرّع حاول الموازنة بين الموكلين الحاليين والقدامى، حيث أورد في المادة 30 من القانون، أن أحكام هذه المادة لن تسري من حيث إنهاء الوكالة، على الوكلاء المقيدين إلا بعد سنتين، والوكلاء الذين مضى عليهم 10 سنوات، أو استثماراتهم تصل إلى 100 مليون درهم، فأعطى استقراراً للأوضاع القانونية والاقتصادية، واستمرارية للعلاقة بين الموكل والوكيل، بالنسبة للوكلاء القدماء، ولا تنطبق عليهم أحكام هذا القانون، وهذا إرضاء للطرفين.
وأوضح عصام التميمي، أن القانون أجاز لوزارة الاقتصاد، في حال النزاع بين الموكل والوكيل، إدخال البضاعة للدولة، وفقاً لشروط وضوابط معينة، خاصة إذا كان السوق المحلي بحاجة ملحّة إليها، وعدم وجودها يشكل إرباكاً للاقتصاد، مع حفظ حق الموكل بالتعويض أو بالعمولة عن هذه البضاعة المدخلة.
- لجنة الوكالات
ومن وجهة نظر التميمي، فإن ابقاء «لجنة الوكالات التجارية»، قد لا يجدي نفعاً، حيث لم تضف شيئاً ملموساً خلال فترة وجودها سابقاً، ولم تحل أي إشكالات تتعلق بالقانون إلا في بعض القضايا، وأغلب القضايا التي كانت تمر عليها تأخذ فترة طويلة، ومن ثم يُطعن عليها أمام المحاكم، غير أن القانون الحالي سرّع من إجراءاتها، وأن تصدر قراراتها خلال 22 يوماً، وإلا يعتبر الطلب مرفوضاً، ويجوز الطعن فيه.
ويرى التميمي، أن هناك مادتين قابلتين للتأويل، مادة «التعويض»، حيث يصعب في بعض الأحيان تقدير التعويضات، كما أبدى القانون أحقية الوكيل في التعويض عن الإنهاء، وأشار في المادة 11 إلى حق الوكيل أكثر من حق الموكل، والمادة الخاصة ب«الإنهاء»، فيما يتعلق بعدم التجديد لعقد الوكالة، أو إنهاء العقد بإخطار.
وأوضح التميمي، أن القانون حاول قدر الإمكان الموازنة بين حقوق 3 جهات، الموكل كمستثمر (الشركة العالمية)، والوكيل الذي بنى الوكالة واستثمر فيها أمواله منذ سنين، ونية المشرع الإماراتي فتح المجال أمام الاستثمارات الجديدة لدعم الاقتصاد المحلي.
- تغييرات جذرية
من جانبه، يرى المستشار الدكتور محمد محمود الكمالي، مدير عام معهد التدريب القضائي بوزارة العدل، أن بعض أصحاب الوكالات التجارية الحاليين قد يعتبرون القانون قد صِيغ ضد مصالحهم، لأنه بموجب القانون القديم كان لهم الحق الأبدي في استمرارية الوكالة بين أيديهم، ولا يمكن للموكل إنهاء الوكالة، إذا كان الوكيل ملتزماً بشروط الوكالة، حتى لو كان العقد بين الوكيل والموكل محدداً لبضع سنوات وانتهى.
وأضاف: «القانون الجديد نظم تواريخ عقد الوكالة، وحدد المدة، واعتمد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، وعليه فالأطراف يمكن أن يتفقوا على مدة معينة للوكالة، كل هذه التعديلات والتغيير، تجعل أصحاب الوكالات التجارية، ينظرون إلى القانون الجديد نظرة متشائمة لأن الامبراطورية التي بنوها قد تنهار، حسب المواد الجديدة التي أدخلت إلى القانون».
- الإيجابيات
وبحسب الكمالي، فإن هناك العديد من الإيجابيات التي وردت في القانون الجديد، أهمها، في ما يخص المستهلك، حيث أصبح الأمر بالنسبة إليه أفضل عما قبل، حيث ستشتد المنافسة بين الشركات من أجل تقديم أفضل الخدمات للمستهلكين، ورفع الاحتكار بين الوكالات الموجودة في الدولة.
وتابع: «من الإيجابيات الأخرى، أن القانون بيّن كيف يتم إنهاء عقد الوكالة، حيث حدد شروط إنهائها، وباتت الأمور واضحة ومبينة بطريقة صحيحة للطرفين، وأيضاً في ما يخص بند التعويضات فقد بين القانون متى يحق للشخص المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به، ومن هي الجهات التي يرجع إليها للفصل في حال النزاع».
وأشار إلى أن هناك نقطة إيجابية مهمة، في ما يتعلق ببند «أيلولة الموجودات» إلى الوكيل الجديد، حيث كان في السابق عند وجود خلاف بين الوكيل والموكل، كان من الصعب إنهاء النزاع، لأن البضائع كان يصعب ردها للموكل الرئيسي، خاصة لو كان في دولة بعيدة، مثل، أمريكا، أو بعض الدول الأوربية، وغيرها، أما القانون الجديد، فقد بيّن أنه عند الانتهاء تذهب البضائع إلى الوكيل الجديد، ويعوض الوكيل القديم بالقيمة العادلة لهذه البضائع.
- السلبيات
وفي ما يخص السلبيات، قال المستشار الدكتور محمد محمود الكمالي: «قد تنقص الكفاءة بعض الوكلاء الجدد في تقديم خدمات جيدة ما بعد البيع، التي تعتبر بالنسبة للعملاء مهمة جداً، خصوصاً للسلع الاستهلاكية التي تحتاج تقديم خدمات، مثل؛ السيارات وقطع غيارها، والأدوات الكهربائية وغيرها من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها».
وأضاف الكمالي: «هناك بعض المواد في القانون، يصعب تطبيقها، أبرزها المتعلق بشركات المساهمة العامة، فمن الصعب أن يتم التأكد في كل عام أن تكون نسبة المواطنين فيها تمثل 51%، ومثال على ذلك، أن تأخذ هذه الشركات وكالة، وبعد عام تقل نسبة المواطنين فيها عن 51%، وبالتالي ستلغى الوكالة بموجب القرار الجديد، وستصبح هناك زعزعة في السوق، وهذه إشكالية يجب النظر إليها».
- مزيد من الفرص
يقول محمد يغمور، شريك ورئيس قسم الخدمات الضريبية والقانونية في «بي دبليو سي الشرق الأوسط»: «إن القانون الجديد يتيح مزيداً من الفرص أمام المواطنين لتسجيل وكالات جديدة لأنه يعالج بصورة أساسية حرية انتقال الوكالات فيما بين المواطنين، ويسمح بدخول مواطنين جدد في نشاط الوكالات التجارية، وهو أمر لم يكن متاحاً في القانون القديم، نظراً لأنه يضع قيداً على التخارج من الوكالة، حيث يرهن انتهاء عقد الوكالة بموافقة طرفيها، حتى لو انتهت مدة عقد الوكالة».
وأضاف يغمور: «كما نص على السماح لأي شركة من الشركات العالمية، ولو لم تكن مملوكة للمواطنين، بمزاولة أعمال الوكالات التجارية لمنتجاتها المملوكة لها فقط، بشرط ألا يكون لتلك الوكالة وكيل تجاري ولم يسبق تسجيلها في الدولة».
ويعد هذا تعديلاً جوهرياً في القانون حسب محمد يغمور، الذي بيّن أن القانون القديم كان يحصر الوكالة للشركات الإماراتية فقط، وهذا التعديل سيزيد التنافس بين الوكلاء لتقديم الأفضل للشركات الأجنبية، لتتمكن من توقيع عقد وكالة معها، بخلاف الشركات الأجنبية القليلة التي تفضل أن تكون وكيلة نفسها في الدولة، وهناك الكثير من الشركات التي تريد أن يكون لها وكيل إماراتي، لأنها لا تملك الموارد ولا المعرفة المحلية.
- التأثير على الاقتصاد
ويرى يغمور، أن التعديلات التي طرحها قانون الوكالات التجارية الجديد لها تأثير عميق في اقتصاد الدولة، وتعكس قيمة وخصوصية عقد الوكالة التجارية، ومن أبرز التعديلات؛ جواز إنهاء عقد الوكالة التجارية المسجلة لدى وزارة الاقتصاد، إما بانتهاء مدة العقد، دون وجود شرط جوهري لعدم تجديد العقد بعد نهاية مدته، أو بقرار من الموكل أو الوكيل، شريطة أن ينص العقد صراحة على إنهاء العقد من طرف واحد، على عكس ما كان منصوصاً عليه في القانون القديم الذي ينص على ضرورة إثبات «سبب أساسي» للإنهاء، أو عدم تجديد العقد.
وتابع: «كما حدد القانون الجديد طرق تصفية موجودات الوكالة التجارية بتحديد طرق تقييم هذه الموجودات، وأدوات تسوية النزاع بين الوكيل والموكل في حال عدم الاتفاق على الموجودات أو قيمتها، وأيضاً تعويض الوكيل عن إلغاء وكالته، كما يحق للموكل تعيين وكيل واحد في الدولة بكاملها، أو وكيلاً في كل إمارة، على أن تقتصر صلاحية الوكيل في البيع في حدود منطقة الوكالة».
وأشار محمد يغمور، إلى أن قانون الوكالات التجارية الجديد، سيساهم في جذب وكالات تجارية جديدة، حيث إنه عالج مخاوف الموكلين من الشركات الأجنبية خصوصاً فيما يتعلق بصعوبة إنهاء الوكالة.
حاولت «الخليج» التواصل مع العديد من وكلاء الشركات العالمية المحليين في دولة الإمارات، إلا أن هذه الشركات كان ردها أنها لن تستطيع التعليق على قانون «الوكالات التجارية» الجديد، لحين اتضاح الرؤية أكثر بالنسبة إليها.
وفي النهاية، ورغم المخاوف التي باتت تعتلي صدور العديد من الوكلاء المحليين في دولة الإمارات، إلا أن المشّرع الوطني كان له نظرة إيجابية في ما يتعلق بزيادة عدد الوكالات التجارية الجديدة بالدولة، خاصة أن عدد الوكالات في الدول المجاورة تجاوز عتبة ال 17 ألف وكالة، لذلك تحتم وضع قانون جديد لزيادة عدد هذه الوكالات لدعم الاقتصاد الوطني، وبصورة لا تضر الوكلاء الحاليين في الدولة، وهذا ما بينته الكثير من المواد التي تحمي الوكلاء القدامى واستثماراتهم، كما فتح القانون الجديد الباب أم الجيل الجديد من المستثمرين للحاق بركب هذه الشركات لزيادة المنافسة وتقديم أفضل الخدمات لسكان دولة الإمارات.