القاهرة: «الخليج»

تنطوي قراءة الرواية الإفريقية على مغامرة واضحة بدرجة أو بأخرى، فهي على الرغم من اقترابها مكانياً من العالم العربي، تظل بعيدة على مستوى الوعي بها ومعرفة جمالياتها وعوالمها المختلفة، وقراءتها قراءة نقدية موسعة تستبصرها موضوعياً وفنياً، وقد زاد من حجم هذه المغامرة قلة الروايات الإفريقية المترجمة عن الإنجليزية، أو الفرنسية، وبالتالي قلة القراءات النقدية حولها، ومع ذلك تظل مغامرة الاقتراب منها ضرورة ملحة.

يؤكد الدكتور محمد السيد إسماعيل في كتابه «أساليب السرد في الرواية الإفريقية» أن الإبداع الأدبي الإفريقي يستحق بامتياز اهتماماً نقدياً موسعاً لما يمتاز به هذا الأدب، سواء كان شعراً أم رواية أم مسرحاً، من ثراء وتنوع وخصوصية وحضور عالمي لافت، تجلى في الترجمات العديدة لكثير من الأعمال الأدبية، وليس أدل على هذا الحضور العالمي الكبير من ترجمة رواية «الأشياء تتداعى» لتشينوا أتشيبي إلى خمسين لغة وتوزيعها ثمانية ملايين نسخة وحصول بعض الأدباء الأفارقة على جائزة نوبل مثل وول سوينكا ونادين جورديمر وجي إم. كوتزي.

رغم هذا – كما يقول الدكتور محمد السيد إسماعيل – تظل ترجمة الأدب الإفريقي إلى العربية محدودة مقارنة بترجمة الآداب الغربية بلغاتها المتعددة وأدب أمريكا اللاتينية، وبالتالي بناء على هذه الندرة اللافتة في الترجمة، ظل الأدب الإفريقي بعيداً عن الوعي العام العربي، وبعيداً عن المقارنات النقدية الجادة التي تستبصر جمالياته وأساليبه وغاياته التي يشارك الأدب العربي بعض جوانبها، فبينما اتجه معظم الكتاب الغربيين فيما بعد الحداثة إلى كتابة أعمالهم الأدبية خارج إطار الزمن التاريخي لجأ الكاتب العربي والإفريقي إلى جماليات المقاومة.

يرى إسماعيل أن الأدب عند العربي والإفريقي ليس فعلا مجانياً، بل فعل مقاومة بالأساس نظراً لتعرضه للعديد من القضايا المصيرية مثل قضية الهوية وعلاقة الأنا بالآخر الغربي المستعمر والتفرقة العنصرية، وقضية الصراع الطبقي، وبهذا تأخذ قضية الزنوج والأبارتهايد بعداً إنسانياً عاماً، وهو ما لمسه جان بول سارتر في ربطه بين معاناة الزنجي والعامل الأبيض حين أكد أن «الزنجي كالعامل الأبيض ضحية التركيبة الرأسمالية لمجتمعنا، وهذه الوضعية أسفرت عن تضامنه – يقصد الزنجي – الوثيق بقطع النظر عن فروق البشرة، مع بعض الطبقات الأوروبية المضطهدة مثله».

بل إن هناك ما يعرف بأدب الزنوجة، وهو تيار أدبي أيديولوجي تجلت آثاره في الفترة ما بين الحربين العالميتين وبالتحديد خلال النصف الأول من القرن العشرين ولئن كانت بداياته وجذوره النظرية تعود إلى فترات سابقة على ذلك، والرواية الإفريقية ناشئة بأثر من الاحتكاك بالآداب الغربية، فهي جنس مستورد، على خلاف الشعر الذي هو جنس متأصل في البيئة الإفريقية، وكان يؤدى شفاهياً حياً.

ولعل هذه النشأة التي تتميز بها الرواية هي ما جعلتها تستشعر أزمة الهوية وتكون إحدى قضاياها الرئيسية كما جعلتها هذه النشأة على صلة وثيقة بالراهن الإفريقي المعاصر وأزماته العديدة عليه لابد من الإشارة إلى تباطؤ الشعر قياساً إلى الرواية في الاتجاه نحو التغيير، فمنذ بداية الخمسينات تخلى بعض الروائيين مثل مونجو بيتي وفرديناند أوبونو عن التغني بالقيم القديمة لصالح التعبير عن الوضع الإفريقي المعاصر، بينما لم يشهد الشعر بالفعل حركة مماثلة إلا مع بداية حركات التحرر الإفريقية بين عامي 1960 و1967.