القاهرة: «الخليج»
يوضح كتاب ليزا كوبر «في أثر الملوك والغزاة جيرترود بيل وأركيولوجيا الشرق الأوسط»، ترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، أن كتّاب سيرة «بيل» لم يترددوا في الكتابة عن جوانب أخرى من حياتها، ومن بين تلك الجوانب بعثات تسلق الجبال، والأسفار الجريئة داخل مناطق نائية في الشرق الأوسط، لم يجرؤ على زيارتها في السابق سوى عدد قليل من الأوروبيين، ولقاءاتها مع شخصيات بارزة، مثل تشرشل ولورد كرومر وإدوارد جراي ومارك سايكس ولورانس العرب، حتى حياتها العاطفية رغم مآلاتها المأساوية، زخرت برومانسية رفيعة.
ماذا عن علم الآثار وهو المجال الذي أدى في المقام الأول إلى انشغالها الكامل بالشرق الأوسط؟ لقد أدرجت من دون شك كل الروايات عن حياة بيل في علم الآثار ضمن إنجازاتها الكثيرة، لكن أغلبها لم يقتف أثر هذه المسألة بدرجة كبيرة، وعادة ما كانت تفشل بكل الأحوال في وصف نوع العمل الأركيولوجي المحدد الذي استحوذ على اهتمامها.
تلاحظ جوليا أشر جريف في واحدة من الروايات القليلة لحياة بيل التي تلخص عملها الأركيولوجي على نحو أكثر موضوعية، أنه حتى في عصرها كان زملاؤها المعاصرون من الرجال يميلون للتقليل من إسهاماتها، إذ كانت الإشارات المتكررة إلى «ثروة وعلاقات عائلتها وثيابها الراقية وغرابة أطوارها أو نشاطاتها الاستخبارية المزعومة»، تصب في مصلحة التشكيك في قدراتها.
إن قراءة التعليقات التي كتبها عالم الآثار فالتر أندري، المدير الألماني لحفريات آشور، تثير الدهشة، فبيل أهدت إليه كتابها الذي أصدرته عن الأخيضر، وعندما زارته في آشور كان يساوره شك في أنها كانت «في مهمة دبلوماسية إلى بلاد الرافدين». تبدو هذه العبارة أسلوباً لبقاً لقول إنه كان يظن أنها كانت جاسوسة بريطانية، وإن اشتراك بيل في الأنشطة الاستخبارية الرسمية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أمر محل نقاش على أفضل تقدير، لكن تعليقات أندري تلقي مزيداً من الظلال على السبب الرئيسي الذي دفعها للسفر إلى بلاد الرافدين في تلك السنوات، وهو اهتمامها القوي بالآثار القديمة في المنطقة، ورغبتها في حفر اسمها داخل الدوائر الأركيولوجية.
بيل نفسها كانت تميل أثناء كتابة يومياتها، أو رسائلها إلى والديها، إلى الاستخفاف بمساعيها الأركيولوجية، وغالباً ما كانت تقلل من مكانتها العلمية، ففي عام 1909 كتبت فور اكتشافها وإثباتها وجود مدينة سامراء الأثرية في بلاد الرافدين: «أحياناً أتصور نفسي عالمة آثار، لكن هذا بطبيعة الحال تماد في الخيال»، وأثناء تنقيبها في الأناضول عام 1905 كتبت إلى أبيها في رسالة: «لقد حظيت بأروع أيامي وأنا أقوم بدور عالمة آثار».
وتهدف مؤلفة هذا الكتاب إلى التعويض عن تغطية الروايات السطحية لنشاطات وإنجازات بيل الأركيولوجية، من خلال الدفع بهذه النشاطات والإنجازات إلى الواجهة، ولا تهدف فقط إلى وصف أعمال بيل الأثرية كزيارتها للمواقع القديمة وتحركاتها لوضع مخططات للفن والعمارة والتقاط صور لها، فضلاً عما توصلت إليه من استنتاجات، بل تسعى إلى تعيين موقع جهودها داخل حقل الدراسات الأركيولوجية وتحديد درجة التجاوب التي استقبلت بها الأجيال التي عاصرتها، والتي جاءت بعدها أعمال بيل.
وتشير المؤلفة إلى أن بيل اعتزلت البحث الأثري بغتة عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، ومن ثم انقطعت علاقتها مع المجتمع العلمي، بعدئذ أقحمت نفسها في المجهود الحربي والتدابير المتعلقة بشؤون العراق السياسية، ما أسس لاتجاه ومركز اهتمام يختلفان تماماً عن مآثرها الأركيولوجية، صحيح أن دورها كمديرة فخرية لدار الآثار في العراق في عشرينات القرن الماضي أعادها إلى الاشتغال في مجال مرتبط بالأركيولوجيا، لكن بيل بهذه الوظيفة الجديدة صارت تؤدي دوراً ذا صفة إدارية متعلق بالتنقيب والآثار، بدلاً من عملها السابق كباحثة فقط.
وهكذا، سيتذكر الناس بيل كامرأة تورطت في أنشطة سياسية كانت متصلة على نحو ما بعلم الآثار، ورغم كل أحلامها ومشاريعها المفعمة بالحيوية، لا يمكنها في النهاية أن تخرج من ظلال تاريخ البشرية دائم الصخب.