القاهرة: بسيوني الحلواني
اقترب رمضان، الشهر العظيم الذي جعل الله صيام نهاره فريضة من أعظم الفرائض، وقيام ليله بالعبادة والطاعة من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى خالقه.. شهر وصفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقوله «قد جاءكم شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر».
كيف يعيش المسلم أيام وليالي رمضان كما أراد له خالقه؟ وكيف يخرج منه بأكبر قدر من المكاسب؟ يقول د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: الصيام عباده لها أهدافها الإنسانية والتعبدية والأخلاقية، ولذلك يجب على الإنسان أن يؤديها طائعاً مختاراً قانعاً بفوائدها ومنافعها العديدة، فالله، سبحانه وتعالى، لم يفرض على عباده ما يضرهم أو يفسد عليهم حياتهم، ولو أمعنا النظر في فرائض الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج، لوجدناها تحمل الخير الكثير للإنسان في دنياه وأخراه.
ويضيف: الصيام هو كف النفس عما تشتهيه، بنية التقرب إلى الله تعالى، فهو بهذا عمل نفسي إرادي له ثقله في ميزان الحق والخير والقبول عند الله، واختار الله لهذا الصيام في الإسلام شهراً مباركاً كريماً، له في نفوس المسلمين مكان كريم، فهو الشهر الذي نزل فيه أول فوج من آيات القرآن العزيز، حملها الروح الأمين إلى قلب الرسول الكريم: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، وجدير بشهر اصطفاه الله لينزل فيه أفضل كتبه إلى خيرة خلقه، أن يكون أهلاً ليفرض فيه تلك العبادة السنوية.
ويوضح د. هاشم أن الصيام ليس مجرد حرمان من الطعام والشراب وباقي المحظورات في نهار رمضان، بل فريضة لها أهداف تعبدية وإنسانية وأخلاقية، قد تخفى على بعض الناس، فعلينا أن نتأمل حكمة الله من هذا الجوع والعطش، وأن ندرك سره تعالى في الصيام حتى نؤديه كما أراده، لا كما اشتهاه الناس.
ويقول: فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، ويتغلب على نزعات شهواته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيباً أن ترتقي روح الصائم، ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، وأخبرنا النبي، صلى الله علي وسلم، بأن ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم.
ويؤكد أنه إذا كان في الصيام فرصة، لتقوية الروح، ففيه فرصة لتقوية البدن، لأن كثيراً مما يصيب الناس من أمراض، ناشئ من بطونهم التي يتخمونها بكل ما تشتهي.
جزاء عظيم
د. عطا السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، يقول عن الذنوب والمعاصي التي يغفرها الصيام: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في الحديث الصحيح: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم ذنبه وما تأخر»، وهذا يوضح أن الصيام جزاؤه عظيم، وثوابه جزيل. وللصيام آداب وأحكام يجب أن يلتزم بها الصائم لينال الأجر العظيم والفضل الكبير من الله، عز وجل، فمن صام رمضان معتقداً وموقناً أن صومه فرضه الله تعالى، فاجتهد في تأدية هذه الفريضة، وحرص كل الحرص على سلامتها وتأديتها على الوجه الأكمل، فله جزاؤه عند الله تعالى، وعلامة ذلك ألا يستثقل الصيام، ولا يرى أيامه طويلة، وإنما تكون عبادة محببة إلى نفسه مقبلاً عليها برغبة وحماس طمعاً في الأجر والثواب.
ويضيف: من يفعل ذلك مخلصاً طامعاً في الأجر من الله، عز وجل، يغفر له ما تقدم من ذنبه، والمراد أيضاً أن الله يغفر للصائم الصغائر من ذنوبه، أما الكبائر فإنها لا تكفر إلا بالتوبة منها.
تحقيق التقوى
وفق د. علي عثمان شحاتة، أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر، فإن التقوى يعني حفظ النفس عما يلحق بها الإثم، وذلك بترك المحظور، وأيضاً بعض المباحات. وقال بعض العلماء: «التقوى في الطاعة يراد به الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر». ويقول: «ورد لفظ التقوى في القرآن الكريم على خمسة أوجه:
- هو يعني الخوف والخشية كما في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ».
- يعني العبادة كما في قوله تعالى: «يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ».
- يعني ترك المعصية: كما في قوله تعالى: «وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
- يعني التوحيد كما في قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى».
- يعني الإخلاص: كما في قوله سبحانه: «ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».
ويضيف: «كل هذه المعاني تؤكد أن الصيام يعين المسلم على تقوى الله تعالى، ويحقق له كل معانيها التي وردت في القرآن الكريم، فهو خوف وخشية، وعبادة خالصة لله، وترك للمعصية وفعل للطاعة.
وعن حجم الأجر الذي يناله المسلم على صيام رمضان وهل يتساوى بين مسلم وآخر، يقول د. شحاتة: «الأجر في أي عبادة على قدر الإخلاص فيها والمشقة التي ينالها الإنسان في أدائها، والصيام تتحقق فيه هاتان الخصلتان؛ لذلك وغيره كان الأجر عند الله كبيراً، وثوابه جزيلاً. وقال رسول الله عن رب العزة والجلال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
وسئل رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له [لا نظير له]».
وعن خصوصية الجزاء يوم القيامة وتفرّده للصائمين يقول عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد». البخاري ومسلم.