جبر الخواطر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفسه، وعظمة قلبه، ورجاحة عقله. بهذا الخلق، يجبر النبي نفوساً كُسرت، وقلوباً فطرت، وأرواحاً أزهقت، وأجساماً مرضت.
وجبر الخواطر عبادة وطاعة لله، تعالى، وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني». و«جبر الخواطر» صفة من صفات الأنبياء، فهم يتسمون بحسن المعاملة وطيبة القلب. وسُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أكثر الأفعال التي يدخل بها الإنسان الجنة، فقال: «التقوى وحسن الخلق»، وجبر الخاطر من حسن الخلق، وصفة إسلامية وإنسانية عظيمة، ولا تصدر إلا من صاحب القلب الطيب والأخلاق الحسنة، فهي مداواة للقلب.
كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على وفق ما أمره به الله، كما في قوله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}) آل عمران -159)، إذا تأملنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، نجد الكثير من قصص جبر الخواطر..
ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أرحمُ أمتي بأمتي أبوبكر، وأشدُهم في دين اللَّه عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهُم علي بن أبي طالب، وأقرأهُم لكتاب اللَّه أبي بن كعبٍ، وأعلمهُم بالحلال والحرام مُعاذ بن جبل، وأفرضهُم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عُبيدة بن الجراح». صحيح الترمذي. فما أعظم من تلك الكلمات التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في مدح وتطييب لخواطر الصحابة.
يقول الشيخ محمد صديق المنشاوي في «كتاب علموا أولادكم أخلاق الرسول» وفي مدافعته صلى الله عليه وسلم عن أصحابه ومعارضته الاستهزاء بهم.. ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه (أي: تُميله) فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟!» قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه!! فقال: «والذي نفسي بيده لهُما أثقلُ فِي الميزانِ من أُحُدٍ» رواه أحمد.
فما أروع من ذلك جبراً للخاطر.
وفى خلاف حدث بين أبي ذر الغفاري وبلال الحبشي، رضي الله عنهما، فغضب أبو ذر وأخذته العزة بنفسه فهو سيد قبيلته فقال لبلال: (يا ابن السوداء)، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا أبا ذر أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية»، هزت الكلمة أبا ذر رضي الله عنه، فانطلق إلى بلال واستلقى على الأرض، ووضع خده على التراب وقال: (لا أرفع خدّي من التراب حتى تطأ خدي بقدمك)، رفض بلال وتعانق الرجلان رضي الله عنهما.
ومن هديه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في وقت الشدة والبلاء التسلية والعزاء، فكان يشعر بآلامهم، ويجعل لهم من محنهم منحاً، ومن الحزن فرحاً، ومن الألم أملاً.. إنه كان لا ينفرد بالأمر الذي يرجع فيه إلى الخبرة والتجربة والرأي، فكان يستشير أصحابه ويشركهم في الأمر.
ويذكر أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري في «موسوعة السيرة النبوية»، ومن صور ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه قال: عندما قرر الرسول والمسلمون حفر الخندق كان يحفر كواحد منهم وشاركهم البرد والريح والجوع، وقال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب (التعب) والجوع، قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرون. رواه البخاري.
وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال..
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييباً لقلوبهم، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، وشاورهم في أُحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشاروا بالخروج إليهم، فخرج إليهم.
وفي يوم أُحد سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من يأخذ السيف منه، فقام عدة رجال، واختار نبي الله أبا دجانة الأنصاري رضي الله عنه، لما كان يعلمه من قوته وشجاعته، حتى فلق به هام المشركين، فواجبات الشجاعة يتولاها من هو أهلُ لها، ومن الصحابة من لا يقوى على القتال فيُبقيه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عند النساء، كحسان بن ثابت مثلاً. وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لا يحمل أحداً فوق استطاعته، فكان يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والأهم من ذلك أنه كان يُثني عليهم في مواقعهم بأفضل صفاتهم.
وكانت من أجمل حالات «جبر الخاطر» عندما جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمت له هدية، وهذه الهدية كانت في شكل بردة «عباءة»، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم البردة من المرأة، فلقد كان يقول تهادوا تحابوا، وقبول الهدية بطيب خاطر ونفس حسنة من شيم المؤمنين، وكان رسول الله في ذلك الوقت في حاجة إلى تلك البردة، ولكن كان هناك رجل من الصحابة لما رأى الموقف، طلب من رسول الله أن يهديه هذه البردة ويعطيها له لأنه في حاجة إليها، فما كان من أشرف خلق الله إلا أن استجاب للرجل وأعطاه البردة على الفور، وآثره على نفسه ولم يبخل عليه بعد ذلك، وبعد أن رأى الصحابة تصرف الرجل أعابوا عليه ما فعله، لكنه قال إنه لم يكن يريد البردة حتى يرتديها بل كان يريد أن يكفن بها بعد موته، فلما مات كان له ما طلب.
وأخيراً: هكذا كان في معاملته صلى الله عليه وسلم لأصحابه من حسن الخُلق ما لا يخفى، يقضي حوائجهم، ويتواضع معهم، ويجيب دعوتهم، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويدعو لهم ولأبنائهم، ويشفق عليهم، ويجبر بخاطرهم..