الشارقة: عثمان حسن

يتميز الخطاط التركي محمد سامي أفندي والذي يعد من كبار الخطّاطين الأتراك عن غيره من الخطاطين بإمكاناته الفنية الابتكارية في الخط الثلث الجلي، وقدرته على خلق تكوينات خطية جديدة، اعتبرته صحيفة جمعية الرسامين العثمانيين أكبر خطاط أنجبته البلاد التركية.

من ميزات هذا الخطاط الكبير وكما وصف في أكثر من مرة، ثبات يده في الخط، واكتناز حروفه، وقدرته على صياغة التراكيب في يسر، والإقلال من التشابك بين الحروف، والمحافظة الشديدة على سياق النص، وسهولة تتبع العين للكلمة وما يتلوها.

ومن أعمال محمد سامي أفندي في هذا المقام، أي في الثلث الجلي، تلك اللوحة الخطية الآسرة التي استخدم فيها الآية القرآنية «جنات عدن مفتحة لهم الأبواب» وهي الآية التي تبشر الرسول الكريم وقومه من العابدين والطائعين بوصفهم أهل ورع وتقوى، تبشرهم بمقام كريم في جنات عدن، مفتحة لهم أبواب هذه الجنة، ومتكئين فيها على الأرائك، يطلبون ما يشتهون من أنواع الفاكهة والشراب ما تشتهيه نفوسهم، وتلذ له أعينهم.

في هذه اللوحة، نستحضر ما سبق وقاله ابن خلدون في توصيفه لفن الخط العربي؛ حيث وصف هذا الخط بأنه من الصناعات الإنسانية يقوى بقوة الحضارة، ويضعف بضعفها.

والصناعة التي يشير إليها ابن خلدون تعني المهارة والإتقان والدقة والحرفية، وهذه كلها تجلت في قلم الخطاط محمد سامي أفندي، الذي يحرص دائماً على ترجمة تلك القوة الرمزية والإيحائية للحرف العربي، خاصة هو يمارس كتابة الثلث، فنحن إذاً، أمام صانع ماهر ومحترف بارع يضمر في وعيه ما لهذا الخط من قدسية وروحية تستحق التمعن والتأمل والإتقان.

بلاغة

كما أشرنا سابقاً، فإن الخط الثلث، وأيضاً الثلث الجلي يمنحان الخطاط فرصة لتأكيد مهاراته في هذا الخط من الناحية الشكلية والروحية، كما يمنحان الخطاط فرصة تأمل الآيات القرآنية وتقدير بلاغتها النصية والروحية، ومحاولة تنفيذ ذلك كله من خلال الحرف ومحاولة تحليل معانيه من الناحية البصرية والدلالية، وهو الذي يتجلى في هذه اللوحة التي حرص من خلالها محمد سامي أفندي على إبراز تلك الخصائص والميزات، ومن يتفحص اللوحة يشاهد معالم تلك الصنعة في تنفيذ الحرف من الناحية الشكلية والجمالية ومن الناحية الدلالية التي تفيد المعنى.

فمن يتابع حرف الجيم –على سبيل المثال- وهو حرف ظهر في كلمة «جنات»، وأيضاً حرف الحاء في كلمة «مفتحة» يجد معالم جماليات الشكل، وهي خصيصة تشترك بها كافة أنواع الخطوط، فما بالك بالثلث الجلي، الذي ترجم من خلاله سامي أفندي خصيصة «التناظر» و«التماثل».

ويمكن اكتشاف هذه الخصيصة (أي التناظر والتماثل) في حرف الألف في «جنات» وحرف اللام في «لهم» وحرف الألف الذي يتكرر مرتين في كلمة «الأبواب».

يقوم محمد سامي أفندي بالمباعدة بين الحروف في الثلث الجلي، وبذل جهد مضاعف في تقديم لوحة سهلة القراءة، وقابلة للفهم، على نحو يحفز المشاهد على تمعن تلك الهالات القدسية التي تتضمنها الآية الكريمة، وكأننا أمام لوحة تبرز قدرات الثلث وأسراره، بمثل ما تبرز طاقة الحرف وقوته الروحية، ونكتشف ذلك أيضاً في قدرة سامي أفندي على تقديم لوحة فيها قدر كبير من التناسق؛ من حيث توزيع وتكوين الحروف، وما نلمسه من تناغم وانسجام على سطح اللوحة الخطية، وإبراز تلك الإمكانات من خلال قوة الشكل ومدات الحروف واستطالاتها وتوزيعاتها وربما قولبتها في تكوينات ساحرة، وأشكال فاتنة ومدهشة.

جسد محمد سامي أفندي من خلال اللوحة البعد الجمالي البصري للحرف العربي، كما وزعه على جسد هذا العمل الفذ بتكوين إيقاعي يزيد من بهاء الخط واللون، ويبرز الحرف كوحدة نظامية ذات مرتكزات وقيم ثابتة لا تكف عن استلهام قوتها ومرجعياتها من الفلسفة العربية الإسلامية.