القاهرة: «الخليج»
«يوتوبيا» لتوماس مور (7 فبراير 1478 – 6 يوليو 1535) عمل أدبي فلسفي اجتماعي سياسي، جدير بأن يجد مكانه في المكتبة إلى جانب أعمال أفلاطون وأرسطو والفارابي، و«يوتوبيا» أكثر أعمال توماس مور ذيوعاً، ويقدم من خلاله صورة متكاملة لعالم مثالي، تختفي منه شرور عالم الواقع، وتتحقق فيه أحلام الإنسانية بالسعادة والكفاية والعدل، وذلك في قالب روائي جذاب.
أما فكرة العالم المثالي أو اليوتوبيا كما صارت تسمى منذ أن صاغ توماس مور هذه الكلمة، ففكرة راودت خيال الإنسان من قديم الزمان وتناولها الفلاسفة والمفكرون، وقدموا لها صوراً مختلفة، اتخذت الطابع الديني أحياناً، والفلسفي أحياناً أخرى، وصيغت في قالب الحوار تارة والقصة الخيالية تارة أخرى.
لم يركن توماس مور إلى تقديم أفكار مجردة أو عرض نظري لما يجب أن تكون عليه الدولة المثالية، كما فعل أفلاطون، بل قدم صورة أدبية لجزيرة، ادعى أنها حقيقة واقعة، صادفها الروائي، أثناء رحلاته، وتركت في نفسه أثراً قوياً، فنقل صورة مفصلة لها، وربط بينها وبين عالم الواقع، عن طريق الموازنة وإبراز أوجه الشبه والخلاف، فأرسى بذلك قواعد الرواية اليوتوبية، التي نعرفها في أعمال ه. ج. ولز، وألدوس هكسلي، وجورج أورويل.
- تشخيص
يتضح ارتباط يوتوبيا بعالم الواقع بما تحمله من آثار العصر الذي كتبت فيه وما تعكسه من صفات صاحبها واهتماماته، فكما قدم لنا مور صورة براقة لدولته المثلى، قدم لنا صورة قاتمة لمساوئ العصر الذي عاش فيه، وشخص عيوب نظم الحكم والحياة الاجتماعية فيه تشخيصاً بارزاً، وأبرز بلمسات إنسانية رائعة ما في ذلك العصر من صور الظلم والقهر.
أهم ما تتسم به يوتوبيا من سمات العمل الكلاسيكي الذي يخلده الزمن، هو أنها ترتبط بأحلام الإنسان وبواقعه على حد سواء، فما تعالجه من قضايا سياسية واجتماعية ليس وقفاً على عصر معين أو مكان بالذات، لكنها قضايا إنسانية عامة قد تتخذ أشكالاً مختلفة في العصور المتعاقبة وتحت الظروف المتغيرة لكنها واحدة في جوهرها، من هنا ظلت يوتوبيا عملاً حياً، فبعد أكثر من خمسة قرون تترجم المرة تلو الأخرى إلى معظم لغات العالم، وتظهر في طبعات مختلفة، وتنشر عنها البحوث والدراسات.
كان توماس مور من أبرز رجال عصره، وأكثرهم علماً ونزاهة، ومن خيرة أبناء إنجلترا، وقد كرس حياته لخدمة الحق والعدالة، ومات في سبيل مبادئه، فخلد التاريخ اسمه، وفي فترة من حياته تنازعته رغبتان: رغبة في الاتجاه إلى حياة الرهبنة والخدمة الدينية ومواصلة البحث والدراسة، ورغبة في ممارسة القانون والمشاركة في الحياة العامة.
ألقى مور سلسلة محاضرات في إحدى الكنائس عن «مدينة الله» للقديس أوغسطينوس وقيل إن أكثر رجال لندن علماً كانوا يتوافدون لسماعها، وكان في ذلك الوقت ضيفاً على رهبان أحد الأديرة، حيث قضى هناك أربع سنوات تقريباً يشاركهم حياة الزهد والتقشف، ويواصل دراسته للغة اليونانية.
وظل فترة من الزمن يفكر في الانضمام إلى سلك الرهبنة، إلا انه عاد فعدل عن تلك الفكرة، ولعل ذلك يرجع إلى عدم رضا والده عن انغماسه في دراسة الكلاسيكيات، فلما ضاق ذرعاً بما اعتبره مضيعة للوقت، لرجل أراد له أن يصبح القانون مهنته، عمل على أن يثنيه عن عزمه، بخفض مساعداته المالية له.
دخل مور البرلمان وهو في السادسة والعشرين من عمره، وكان منزله أشبه بالأكاديمية العلمية، ثم عين فيما بعد نائباً لرئيس الشرطة في لندن، وكان آنذاك منصباً قضائياً مهمّاً، وبالرغم من قيامه بمهمات ملكية إلا أنه رفض معاشاً عرضه الملك عليه، خوفاً من أن تتعارض مصالح المدينة التي يعمل فيها، ومصالح الملك، حيث لم يكن قد قرر بعد الانضمام إلى خدمته.
- نهاية
أصبح مور عضواً في مجلس الملك هنري الثامن، بعد أن استقال من منصبه، ومنحه الملك لقب فارس، وعينه نائباً لوزير المالية، وفي عام 1527 لاحت أولى بوادر الأزمة التي ستقضي على العلاقة الودية بينهما، وفي النهاية يساق مور إلى السجن، ويحاكم بتهمة إنكاره لرئاسة الملك للكنيسة، أي بالخيانة، ويحكم عليه بالموت، بعد أن قضى في السجن 15 شهراً.
في صبيحة 6 يوليو 1535 نفذ فيه حكم الإعدام بقطع الرأس، بعد أن خفف الحكم الذي كان يقضي بالشنق وشق الجسد وإخراج الأحشاء، كما كان متبعاً مع غيره، ممن رفضوا الخضوع للملك، كذلك سمح لأسرته بحضور دفن جسده، أما رأسه فألقي بها في نهر التايمز.
يقال إنه في اللحظات الأخيرة، وقبل أن تهبط الفأس، لتفصل رأس مور عن جسده، رفع رأسه قائلاً لحامل الفأس المكلف بتنفيذ الحكم: «انتظر لحظة لأبعد لحيتي فهي لم ترتكب خيانة» وبعد مرور أربعة قرون ونصف القرن، منحته الكنيسة، التي استشهد في سبيلها، لقب قديس.